لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
خپرندوی
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۰۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
دمشق
مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» " قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا، إِنَّمَا هِيَ فِي أُنَاسٍ مُذْنِبِينَ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِكَاكًا مِنَ النَّارِ. وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: يَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَنَّهُ يُضَاعِفُ عَلَيْهِمْ عَذَابَ كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونَ عَذَابُهُمْ بِقَدْرِ جُرْمِهِمْ وَجُرْمِ مُذْنِبِي الْمُسْلِمِينَ لَوْ أُخِذُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَأْخُذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُضَاعِفَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ الْعَذَابَ، وَيُخَفِّفُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ بِحُكْمِ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَيُقَالُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: «لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا النَّارَ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُذْنِبَ لَمَّا كَانَ يَسْتَحِقُّ مَكَانًا فِي النَّارِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ بَقِيَ مَكَانُهُ خَالِيًا مِنْهُ أَضَافَ ذَلِكَ الْمَكَانَ إِلَى يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ لِيُعَذَّبَ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى تَعْذِيبِ مَكَانِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِ كُفْرِهِ.
وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُذْنِبًا كَانَ أَوْ لَا مَنْزِلَيْنِ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلًا فِي النَّارِ، وَكَذَا الْكَافِرُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أَيْ يَرِثُ الْمُؤْمِنُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْكُفَّارُ مَنَازِلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْوِرَاثَةَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِلَا حِسَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِحِسَابٍ وَمُنَاقَشَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ فِي قَوْمٍ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ كُفِّرَتْ عَنْهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ، أَوْ فِي مَنْ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الْخُرُوجِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ مَجَازًا عَنْ رُؤْيَةِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْكُفَّارِ ذُنُوبٌ كَانَ الْكُفَّارُ سَبَبًا فِيهَا بِأَنْ سَنُّوهَا، فَلَمَّا غُفِرَتْ سَيِّئَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بَقِيَتْ سَيِّئَاتُ الَّذِي سَنَّ تِلْكَ الْبِدْعَةَ السَّيِّئَةَ بَاقِيَةً عَلَى أَرْبَابِهَا الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُغْفَرُ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْوَضْعُ كِنَايَةً عَنْ إِبْقَاءِ الذَّنْبِ الَّذِي لَحِقَ الْكَافِرَ بِمَا سَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْمُؤْمِنُ. وَقَوَّاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
2 / 274