لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
خپرندوی
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۰۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
دمشق
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، مِنَ الْعُجْمَةِ أَتَيْتَ، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ ذَمًّا، بَلْ جُودًا وَكَرَمًا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَلَا يَرْهَبُ ابْنُ الْعَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتِي ... وَلَا يَخْتَشِي مِنْ صَوْلَةِ الْمُتَهَدِّدِ
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ذِكْرِ الْمَوَانِعِ مِنْ إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ، بَعْضُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَبَعْضُهَا بِالنَّصِّ، فَالتَّوْبَةُ مَانِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالتَّوْحِيدُ مَانِعٌ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَالْحَسَنَاتُ الْعَظِيمَةُ الْمَاحِيَةُ مَانِعَةٌ، وَالْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ مَانِعَةٌ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا مَانِعٌ بِالنَّصِّ، فَلَا تُعَطِّلْ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَضْعَافَ أَضْعَافِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعْمَالِ النُّصُوصِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ قَامَتِ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ اعْتِبَارًا لِمُقْتَضَى الْعِقَابِ وَمَانِعِهِ؛ إِعْمَالًا لِأَرْجَحِهِمَا، وَعَلَى هَذَا بِنَاءُ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدِهِمَا وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْقَدَرِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ السَّارِيَةِ فِي الْوُجُودِ، وَبِهِ ارْتِبَاطُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا خَلْقًا وَأَمْرًا، وَقَدْ جَعَلَ - تَعَالَى - لِكُلٍّ ضِدٍّ ضِدًّا يُدَافِعُهُ وَمَانِعًا يُمَانِعُهُ وَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا. وَالْحَاصِلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَوْنُ الْمُذْنِبِ الْمَلِيِّ وَإِنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَعَظُمَتْ خَطَايَاهُ؛ فِي مَشِيئَةِ مَوْلَاهُ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَافَاهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ خُلُودُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي النَّارِ مِنَ الْمُحَالِ. فَالصَّوَابُ اجْتِنَابُهُ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَالرُّكُونُ إِلَيْهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الذُّنُوبِ التَّوْبَةُ، وَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ تَلَبَّسَ بِذَنْبٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَوَاجِبٌ» وُجُوبَ لُزُومٍ لَا بُدَّ مِنْهُ «عَلَيْهِ» أَيِ الْمُذْنِبِ «أَنْ يَتُوبَا» بِأَلْفِ الْإِطْلَاقِ لِلْوَزْنِ أَيْ أَنْ يَرْجِعَ، فَالتَّوْبَةُ أَصْلُ كُلِّ مَقَامٍ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ لَا مَقَامَ لَهُ وَلَا حَالَ، وَهِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى آخَرَ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: أَصْلُ التَّوْبَةِ لُغَةً الرُّجُوعُ، يُقَالُ تَابَ وَثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآبَ وَأَنَابَ رَجَعَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ هُنَا الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ. انْتَهَى. فَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ بِأَنْ يُقْلِعَ عَنْهُ وَيَنْدَمَ عَلَيْهِ وَيَعْزِمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ إِلَيْهِ، وَيُرْضِيَ الْآدَمِيَّ عَنْ ظُلَامَتِهِ إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّوْبَةُ
1 / 371