لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

Muhammad ibn Ahmad as-Safarini d. 1188 AH
135

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

خپرندوی

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

د ایډیشن شمېره

الثانية

د چاپ کال

۱۴۰۲ ه.ق

د خپرونکي ځای

دمشق

مَخْلُوقًا أَوْ قَائِمًا بِذَاتِ الرَّبِّ، فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَسَلْسُلَ الْحَوَادِثِ ; لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ، قَالُوا: وَتَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعٌ إِذِ التَّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا قَالُوا بِقِدَمِ عَيْنِ الْكَلَامِ تَنَازَعُوا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ حُرُوفًا وَلَا أَصْوَاتًا ; لِأَنَّ الصَّوْتَ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْحَرَكَةِ، وَمَا امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ امْتَنَعَ قِدَمُ عَيْنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، فَيَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَصْوَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، كَمَا يَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْحَرَكَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ; لِأَنَّ تِلْكَ لَا تَكُونُ كَلَامًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَعَاقِبَةً، وَالْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الْمِيمُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ قَدِيمَةً مَعَ كَوْنِهَا مَسْبُوقَةً بِغَيْرِهَا، لَكَانَ الْقَدِيمُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ، لَكَانَ اخْتِصَاصُهُ بِقَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاهَى لَزِمَ وُجُودُ أَعْدَادٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى وَاحِدًا هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَهُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ الْكِلَابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّهُ حُرُوفٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ، لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، وَهِيَ مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذَاتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا، كَالْحُرُوفِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ بِأَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ أَصْوَاتٌ أَيْضًا قَدِيمَةٌ. وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا مُتَعَاقِبَةً، وَبَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَصْوَاتِ وَالْمِدَادِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا ; لِأَنَّ مَا وَجَبَ قِدَمُهُ لَزِمَ بَقَاؤُهُ وَامْتَنَعَ عَدَمُهُ، وَالصَّوْتُ لَا يَبْقَى. وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ فَقَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الشَّكْلِ الْقَائِمِ بِالْمِدَادِ، أَوْ مَا يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمِدَادِ، كَالشَّكْلِ الْمَصْنُوعِ فِي حَجَرٍ أَوْ وَرَقٍ بِإِزَالَةِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ نَفْسُ الْمِدَادِ. وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَنْطُوقَةُ، فَقَدْ يُرَادُ بِهَا أَيْضًا الْأَصْوَاتُ الْمُقَطَّعَةُ الْمُؤَلَّفَةُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا حُدُودُ الْأَصْوَاتِ وَأَطْرَافُهَا، كَمَا يُرَادُ بِالْحَرْفِ فِي الْجِسْمِ حَدُّهُ

1 / 135