341

لطائف المعارف فیما لمواسم العام من الوظائف

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف

ایډیټر

ياسين محمد السواس

خپرندوی

دار ابن كثير

شمېره چاپونه

الخامسة

د چاپ کال

۱۴۲۰ ه.ق

د خپرونکي ځای

بيروت

ومنها: الاعتكاف: ففي "الصحيحين" (^١) عن عائشة ﵂، "أن النبي ﷺ كان يعتكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ من رمضَانَ حتَّى توفَّاه الله تعالى". وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن أبي هريرة ﵁، قال: "كان رسولُ الله ﷺ يعتكِفُ في كُلِّ رمضان عشرَةَ أيامٍ. فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكَفَ عشرين". وإنما كان يعتكِفُ النبي ﷺ في هذه العشر التي يُطلَبُ فيها ليلةُ القَدْرِ، قطعًا لأشغاله (^٣)، وتفريغًا لباله، وتخلِّيًا لمناجاة (^٤) رَبِّه وذِكْره ودعائه. وكان يحتجر حصيرًا (^٥) يتخلَّى فيها عن الناس، فلا يخالِطُهم، ولا يشتغِلُ بهم؛ ولهذا ذَهَبَ الإِمامُ أحمد إلى أن المعتكِفَ لا يُسْتَحَبُّ له مخالطةُ النَّاسِ، حتَّى ولا لتعليم علمٍ، وإقراء قرآنٍ، بل الأفضَلُ له الانفرادُ بنفسه والتخلِّي بمناجاة رَبِّه وذِكْرِه ودعائه. وهذا الاعتِكافُ هو الخَلْوَةُ الشَّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلَّا يتركَ به الجُمَعَ والجماعاتِ؛ فإنَّ الخلوةَ القاطِعَةَ عن الجُمَع والجماعاتِ منهيٌّ عنها.
سُئل ابنُ عبَّاس عن رجلٍ يَصومُ النَّهارَ ويقومُ الليلَ، ولا يَشْهَدَ الجُمُعَة والجَمَاعَةَ؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المَشْرُوعة لهذه الأمة هي الاعتِكافُ في المساجد، خصوصًا في شهر رمضانَ، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله. فالمعتكِفُ قد حَبَسَ نَفْسَه على طاعةِ اللهِ وذِكْرِه، وقَطَعَ عن نفسِه كُلَّ شاغلٍ يَشْغَلُه عنه، وعَكَفَ بقلبه وقالبِهِ على رَبِّه وما يُقَرِّبُه منه، فما بقي له هَمٌّ سِوى الله، وما يُرضيهِ عنه. كما كان داود الطَّائيُّ (^٦) يقول في ليله: هَمُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهُمُومَ، وحالف بيني وبينَ

(^١) أخرجه البخاري ٤/ ٢٧١ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأواخر، و٤/ ٢٨٣ باب الاعتكاف في شوال. ومسلم رقم (١١٥٣) في الاعتكاف: باب متى يدخل من أراد الاعتكاف.
(^٢) ٤/ ٢٨٤ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان و٩/ ٤٣ في فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ. وأخرجه أبو داود رقم (٢٤٦٦)، وابن ماجه رقم (١٧٦٩).
(^٣) في ب، ش: "لاشتغاله".
(^٤) في آ، ش: "بمناجاة".
(^٥) في آ، ش، ع: "حصيرة"، وهما بمعنى. ويحتجر حصيرًا: أي يجعله لنفسه دون غيره.
(^٦) هو داود بن نُصَيْر، أبو سليمان الطائي، الكوفي، ثقة، زاهد، من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم بأبي حنيفة، ثم أقبل على شأنه، ولزم الصمت. قال له رجل: أوصني، قال: اتَّق الله، وبرَّ والديك، ويحك! وصم الدنيا، واجعل فطرك الموت، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم. مات سنة ١٦٠ وقيل: ١٦٥ هـ. وقد سبقت ترجمته باختصار.

1 / 348