جوهر انسانيت
جوهر الإنسانية: سعي لا ينتهي وحراك لا يتوقف
ژانرونه
لم تظهر أي تجربة أجريت منذ هذا الوقت أن الدي إن إيه لا يصنع دي إن إيه، أو أن الدي إن إيه لا يصنع آر إن إيه، أو أن الآر إن إيه لا يصنع بروتينات. كما أن هذه الفرضية صحيحة حاليا تماما مثلما كانت منذ 40 سنة. إلا أن حقيقة أن جينات كثير من الفيروسات - مثل الحصبة والنكاف وداء الكلب وشلل الأطفال - تتألف من الآر إن إيه وليس الدي إن إيه، كانت تعني أن العلماء المتخصصين في الفيروسات كان عليهم إدراج نتيجة ملازمة للفرضية الأساسية. فبما أن فيروسات الآر إن إيه تستطيع استنساخ نفسها - داخل عائل نباتي أو حيواني مناسب - من ثم لا بد من إضافة عبارة «الآر إن إيه يصنع آر إن إيه». ومع ذلك، فإن الافتراض الأساسي الذي يقوم عليه الطرح الأصلي، والقائل بأن المعلومات بين العناصر الثلاثة الأساسية - الدي إن إيه والآر إن إيه والبروتين - تنتقل في اتجاه واحد فقط من الدي إن إيه إلى الآر إن إيه، ومن الآر إن إيه إلى البروتين، يبدو صحيحا.
حدث أمر آخر بعد هذا؛ فبينما كان العلماء يدرسون سلوك الفيروسات بتفصيل أكبر - وهو بحث كان مدفوعا باحتمال أن الفيروسات تسبب السرطان - اتضح أن الآر إن إيه يصنع بالفعل دي إن إيه، في حالة فيروسات آر إن إيه معينة،
51
بالإضافة إلى صنع المزيد من الآر إن إيه والبروتينات (تسبب مثل هذه الفيروسات مرض السرطان من خلال صنع دي إن إيه من الآر إن إيه). تظل سلامة فرضية أن المعلومات تنتقل من الدي إن إيه إلى الآر إن إيه ومنه إلى البروتين سارية، لكنها تحتاج حاليا إلى تنقيح؛ «فالدي إن إيه يصنع دي إن إيه، ويصنع أيضا آر إن إيه الذي يصنع البروتينات بدوره؛ كما أن الآر إن إيه يصنع آر إن إيه ويستطيع أيضا أن يصنع دي إن إيه.» وحتى الآن لم تناقض أي تجربة فرضية أن انتقال المعلومات بين الآر إن إيه والبروتين يحدث في اتجاه واحد فقط. تحدث مثل هذه التعديلات - إعادة صياغة أكثر دقة للفرضيات - طوال الوقت في علم الأحياء.
يرجع افتراض أن «الإنزيمات هي بروتينات» إلى أكثر من نصف قرن. فالإنزيم، كما تذكر، هو محفز بيولوجي؛ جزيء يعمل على تسريع التفاعلات بين الجزيئات الأخرى. فتحفز الإنزيمات عمليات مثل هضم الطعام، وانقباض العضلات، وتصنيع الدي إن إيه والآر إن إيه والبروتينات والدهون والكربوهيدرات في الجسم. فبدلا من أن تستغرق سنوات تحدث هذه التفاعلات في غضون ثوان؛ فمن دون الإنزيمات لا تستطيع الحياة على وجه الأرض كما نعرفها أن تستمر. فمنذ نحو 3,5 مليارات سنة، عندما ظهرت الكائنات الحية لأول مرة على سطح الأرض، على الأرجح كانت التفاعلات بين الجزيئات تستغرق سنوات لتحدث. ثم ظهرت فئة من البروتينات لديها نشاط تحفيزي، وأصبحت الأشياء أسرع. أما ما اتضح حاليا فهو أن بعض أنواع الآر إن إيه تتمتع بنشاط تحفيزي أيضا؛
52
فهي تسرع التفاعلات التي تنفصل بها أجزاء من جزيئاتها. في الواقع، إن كافة الإنزيمات التي شرحت مسبقا، والتي وصفت بعبارة «الإنزيمات هي بروتينات.» هي بروتينات. إلا أن هذه العبارة يجب تعديلها الآن فبما أن «الإنزيمات هي بروتينات؛ فإن الآر إن إيه يمكنه أيضا أن يكون محفزا.»
حتى عقد مضى تقريبا كان افتراض أن كل عوامل نقل العدوى - سواء كانت بروتوزوا أو فطريات أو بكتيريا أو فيروسات - تحتوي على دي إن إيه أو آر إن إيه، معترف بصحته. فنظرا لكون البروتوزوا والفطريات والبكتيريا كائنات خلوية، فإنها تحتوي بالطبع على كل من الدي إن إيه والآر إن إيه. وما حدث بعد هذا أن اتضح أن فئة من البروتينات، تدعى البريونات، معدية في حد ذاتها. والبريونات هي عوامل مسئولة عن انتقال التهاب الدماغ الإسفنجي البقري (مرض جنون البقر) ومرض كروتزفيلد جاكوب.
53
لذلك كانت هذه الفرضية تحتاج إلى تعديل. فمع ظهور معرفة جديدة، يجب تعديل التفسيرات، وتصبح أكثر شمولا، أو أقل. ولهذا تحديدا لا يمكن للعلم - الفرع المعرفي القائم على التجربة - افتراض «حقائق» مثلما يحدث في الرياضيات أو الفلسفة. فنظرا لكونه فرعا معرفيا تجريبيا، لا مفر من سعي ممارسيه طوال الوقت للعثور على عدسات أكثر وضوحا لاختبار الطبيعة من خلالها. وكلما زاد وضوح العدسة، زادت التفاصيل التي تظهر. ومع ظهور تفاصيل جديدة، تحتاج الفرضيات إلى تعديل. وهذا هو السبيل لتحقيق التقدم العلمي؛ البحث عن تفسيرات للعالم بتفاصيل أكثر.
ناپیژندل شوی مخ