جوهر انسانيت
جوهر الإنسانية: سعي لا ينتهي وحراك لا يتوقف
ژانرونه
في حالة خمول إلى حد كبير في القرون الستة التالية أو نحو ذلك. وبعد ذلك، أعادت جذورها المسيحية ترسيخ نفسها وأنتجت لوحات وموسيقى كنسية، بالإضافة إلى إلهام الشعراء في هذا العصر. لم يظهر إلا فيما بعد الفن والمعارف التي ارتبطت بفرنسا وهولندا وإنجلترا، وبالبندقية وبادوا وفلورنسا، وفيينا ولايبزيج وفايمار، وكراكوف وبراج وسان بطرسبرج. أصبحت الأصول المختلفة للفن الأوروبي ضبابية بالتدريج، لكن ظل تميز منتجاتهم مقارنة بثقافة القارات الأخرى موجودا. باختصار، لا توجد عمومية في الفن مثلما لا توجد في الدين؛ فالفن الصيني والياباني المعاصر، والموسيقى والرقص الهندي، والمنسوجات والمشغولات المعدنية العربية، والتماثيل المنحوتة الأفريقية؛ متميزة ولها قيمتها في عصرنا الحالي، تماما كأي شيء صنع في أوروبا أو أمريكا الشمالية (وقد يقول البعض إن قيمتها تكون أكبر بكثير). لكن مثلما يوجد لدين منطقة معينة أنصار في منطقة أخرى - مثل البوذيين في سان دييجو والمسيحيين في سيول - لا يعترف تفسير الفن بأي حدود؛ فعلى سبيل المثال، بعض من أكبر الموسيقيين في العالم الذين يعزفون الموسيقى الأوروبية حاليا جاءوا من الصين وكوريا واليابان بالإضافة إلى العالم الغربي.
أتذكر مثالين يوضحان شيوع الإنجازات الثقافية. علمت الأول من زميل ألماني؛ فقد زار اليابان لأول مرة وهو طالب شاب بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت هذه الدولة ما تزال دولة نامية إلى حد كبير، تتعافى من ويلات الصراع. وصل بحقيبة ظهره إلى طوكيو، التي كانت ما تزال العاصمة الثقافية للدولة، وسلك طريقه إلى مساكن الجامعة، حيث كان يأمل العثور على سرير رخيص. عندما اقترب من الأكواخ البالية التي كان الطلاب يسكنون بها، سمع صوتا غريبا. حتما كان هذا عزف سوناتا لباخ - وكان جيدا جدا - من شخص يعزف الكمان. تتبع الصوت ووصل إلى هذا الموسيقي، وكان طالبا شابا يعزف في الساحة خارج مساكن الطلاب. ونظرا لعدم معرفة زميلي لأي كلمة باليابانية، وعدم معرفة هذا الطالب للألمانية، لم يتمكنا من التواصل إلا بلغة الإشارة. لكن بطريقة ما استطاع الألماني الإشارة إلى أنه هو الآخر يستطيع العزف على الكمان. في الواقع كان بارعا إلى حد كبير؛ نظرا لأن الموسيقى كانت اختياره الأول للدراسة، ولكنه لم يقبل بدراسة العلوم في الكلية، كما أخبرني، إلا لأنها بدت الاختيار الأسهل. ذكر الطالب الياباني لنظيره الألماني أن يبقى في مكانه، وترك المكان. بعد فترة قصيرة ظهر مرة أخرى وهو يحمل كمانا آخر. تحدث الاثنان بمزيد من لغة الإشارة، ثم بدآ في عزف كونشيرتو لباخ لآلتي كمان دون مصاحبة، دون نوتة موسيقية ودون خطأ. قال صديقي إنها كانت واحدة من أكثر التجارب المؤثرة في حياته، وظلت واضحة في ذاكرته عندما حكاها بعد 40 عاما مثلما كانت في اليوم الذي حدثت فيه.
يتعلق المثال الثاني بالعلم والمعرفة، وقد حدث لي عندما زرت الصين لأول مرة في عام 1992 بناء على دعوة الأكاديمية الصينية للعلوم. كانت بكين مبهرة بالفعل، وأخذني المستضيفون اللطفاء لزيارة السور العظيم، والمقابر القريبة للأباطرة السابقين، والمدينة المحرمة ومواقع أخرى في المنطقة. شاهدت أيضا المساحات الفارغة في بعض المباني حيث أزال الحرس الأحمر في أثناء «الثورة الثقافية» بعناية بالغة كل منحوتة زخرفية ظلت لقرون تشهد على وجود ثقافة حقيقية. وتزامنت زيارتي لشنغهاي مع العيد القومي للصين في بداية شهر أكتوبر، فكانت المؤسسة التي سأزورها، وغيرها من المباني الأخرى، مغلقة. وبدلا من تركي أنتظر دون جدوى في الفندق، رتب الشخص المستضيف لي لطفا منه زيارة إلى هانجتشو، وهي مدينة تبعد عدة ساعات جنوبا على حافة بحيرة جميلة؛ مدينة شهر العسل في جنوب شرق الصين (صورة 5). رافقني شاب من معهد شنغهاي يتحدث بعض الإنجليزية. وصلنا في المساء وتجولنا حتى وصلنا إلى البحيرة في وقت غروب الشمس. لفرحتي لاحظت على امتداد الأفق وجود تلال خضراء ومشجرة. ورغم أنني اعتدت مشاهدة ساعة الذروة في مترو أنفاق لندن طول السنوات الخمس عشرة الماضية، وتعرفت معرفة عابرة بساعة الذروة في طوكيو وأوساكا، فإن رؤية 100 دراجة قادمة نحوي، بثبات وبسرعة كبيرة، في كل مرة أحاول فيها عبور الطريق في بكين، كانت تثير أعصابي إلى حد ما واشتقت إلى السير لبضع ساعات بهدوء في الريف وحدي. وكانت هذه هي فرصتي؛ ففي وقت مبكر من صباح اليوم التالي استطعت - بصعوبة بالغة - إقناع مرشدي السياحي بالمجيء معي. قلت له: «أنا أحب السير لمسافات طويلة، ولا أريد أن أثقل عليك بمرافقتي، خاصة أنك لا تملك حذاء مناسبا.» فرد علي قائلا: «أنت لا تتحدث اللغة ولا تملك أي نقود.» فعارضته قائلا: «في الواقع لدي بعض العملات الصينية، وسأتمكن من تدبر أمري.» أنا لا أعلم ما العقوبة التي كان مرشدي السياحي سيتلقاها إذا عاد إلى شنغهاي وحده، بعدما فقد في منطقة هانجتشو النائية الأستاذ الذي كان يفترض به مرافقته، لكنه فعل هذا. على أي حال تمكنت من التملص منه، مع وعد جاد بأن نلتقي خارج المطعم الموجود في فندقنا لتناول العشاء في هذا المساء (فعلنا هذا، ولم أر مثل هذا الارتياح على وجه إنسان منذ اجتزت أنا وزملائي امتحاناتنا النهائية في الجامعة منذ 50 عاما). كنت أنظر بإعجاب إلى معبد قريب، وكنت أقترب من بعض الأراضي الوعرة في طريقي إلى التلال، عندما بادرني بالكلام رجل مسن يرتدي ملابس بسيطة له شعر رمادي مقصوص قصيرا. فقال لي: «هل أنت ألماني؟» فقلت: «في الواقع بريطاني.» فقال لي بعدما تحول إلى الحديث بإنجليزية سليمة: «هلا رافقتني من فضلك إلى منزلي - المتواضع جدا للأسف - وشرفتني بتناول قدح من القهوة معي.» كان اليوم يشرف على نهايته، وكنت متلهفا للوصول إلى العزلة الموجودة في التلال، لكن كيف أرفض مثل هذه الدعوة المهذبة؟
كانت السعادة بلقائنا متبادلة؛ فكان مضيفي هذا، الذي اتضح أنه جراح للقلب يبلغ من العمر 84 عاما، سعيدا بتمكنه من الحديث مع أكاديمي زميل من أرض بعيدة، أما أنا فقد كنت محظوظا بلقاء أروع وأكثر شخص مثقف يمكن لمسافر لقاؤه على الإطلاق. قبل اندلاع الحرب اليابانية الصينية كان يدير مستشفى خاصا به في بكين، وأصبح في أثناء الحرب أول شخص في الصين - وربما في العالم - يخيط بنجاح جرح طعنة في القلب. لم يكن هذا الجرح من سيف ياباني، وإنما كان جرحا ذاتيا ألحقه أحد السكان الأصليين للمدينة بنفسه لأنه لم يعد يتحمل بشاعة الحرب. لكنه اضطر إلى تحملها؛ إذ أنقذ الدكتور «ما» حياته.
35
سألني الدكتور «ما»: «ماذا تعتقد هذا ؟» مشيرا إلى الطاولة القصيرة التي وضعت عليها أكواب القهوة. تجرأت وقلت: «نوع من طاولات القهوة.» فقال: «لا.» وتجعد وجهه بابتسامة سرور، وأزال الأكواب ورفع الجزء العلوي الذي اتضح أنه مثبت بمفاصل بباقي أجزاء الطاولة. رأيت نوتات موسيقية لبلايل وكوبران وبيتهوفن؛ فقد كنا نتناول قهوة منتصف النهار على مقعد بيانو. كان هذا أحد قطع الأثاث القليلة الموجودة في هذه الغرفة الصغيرة. قال: «كانت زوجتي تعزف جيدا للغاية.» أدركت الآن أن السيدة الشابة الجميلة التي تعزف البيانو لمجموعة من الأطفال في لوحة زيتية موجودة أمامي كانت المرأة نفسها التي مررت بها وهي تغسل الخضراوات في صنبور خارج هذه السقيفة - يمكنك بالكاد أن تطلق عليه منزلا - ونحن ندخل. قال: «عندما جاء الحرس الأحمر - وكنا نعيش في هذا الوقت في مدينة أخرى - حطموا كل شيء جميل أو له قيمة، بما في ذلك البيانو، أمام أعيننا. وكانت هذه الصورة ومقعد البيانو وبعض الكتب كل ما استطعنا إنقاذه.» اتضح أن هذه الكتب كانت معاجم في الألمانية والإنجليزية والفرنسية، التي لم يجمعها الطبيب «ما» فحسب (فقد دمر معظم مكتبته العزيزة)، ولكنه ترجمها إلى الصينية أيضا. وقبل أن أرحل وافقت على أن أرسل إليه إحدى المقالات غير المتخصصة التي كتبتها مؤخرا، وفي المرة التالية التي تواصلت معه فيها كان قد ترجمها إلى الصينية، لمجرد المتعة، وعلى حد علمي لم تنشر قط. إنه رجل رائع وواسع المعرفة، ودليل على حقيقة أن الثقافة عالمية، وعلى أن الجلد عمره أطول من الشر.
يتطلب صنع عمل فني إجراء بحث؛ فقبل الكتابة بقلم أو فرشاة على الورق، على الكاتب أن يبحث عن الجملة المناسبة، والمؤلف الموسيقي عن النغمات المناسبة، والرسام عن المشهد المناسب. ويستمر البحث عند الانتهاء من كل عمل. كم مرة وصف ديكنز محنة الأطفال وأحوال الفقراء في إنجلترا في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ في «أوليفر تويست» و«نيكولاس نيكلبي» و«ترنيمة عيد الميلاد» و«مارتن تشزلويت» و«دوريت الصغيرة» و«ديفيد كوبرفيلد» و«أوقات عصيبة»، لكنه كان في كل مرة يبحث عن جانب مختلف ليصور محنتهم؟ وكم مرة استخدم موتسارت تتابعا متكررا لإضفاء نغم أو حركة على السوناتا أو الكونشرتو أو السيمفونية - لكل منها لحن متميز - لإعداد نهاية ناجحة دون وجود تكرار واضح؟ وكم مرة رسم مونيه جسري هانجرفورد وويستمنستر فوق نهر التايمز، من الضفة الجنوبية إلى الشمالية ومن الشمالية إلى الجنوبية، في وقت الشروق وعند الغسق، أو كاتدرائية روان في إضاءات مختلفة - بتجانس درجات اللون البني، أو الرمادي، أو الأزرق والذهبي، أو الأبيض، أو الأزرق
36 - أو الضوء الواقع على بركة الزنابق في حديقته في جيفرني - من الأعلى أو بزاوية - في بحثه عن أكثر تآلف مرض؟ بالطبع يمكنك القول إن كل فنان كان يجري فحسب تجارب في الأشكال الفنية التي اختارها، لكن أليست التجربة نوعا من البحث؟ يمكنك القول أيضا إن ديكنز اكتشف الموضوع الذي جعله مشهورا، وأن موتسارت لم يتكبد عناء تغيير نهاياته الموسيقية، وأن مونييه أدرك أن مشاهد نهر التايمز وكاتدرائية روان وبركة الزنابق تقدم صورا جيدة. إذا كان الأمر كذلك، فإن السعي يصبح أكثر وضوحا؛ لضمان ألا يكون كل عمل تماما مثل العمل الأخير؛ فالتكرار في الفن لا تكون له جاذبية كبيرة. من ناحية أخرى، يمكنك القول إن الفنان بمجرد عثوره على نقطة قوته يتوقف عن البحث. أليس لهذا السبب يمكننا التعرف على أعمال المؤلفين الموسيقيين المشهورين مثل موتسارت أو شوبرت أو شوبان بعد الاستماع إلى بضعة أجزاء فقط من موسيقاهم؟ لكن لم يتوافر لأي من هؤلاء الأساتذة الوقت الكافي لصنع أسلوب جديد؛ فكل منهم توفي في الثلاثينيات من عمره. كان بيتهوفن هو الوحيد الذي عاش بما يكفي (حتى سن السابعة والخمسين) ليتمكن من نقل الموسيقى من الأسلوب الكلاسيكي إلى الأسلوب الرومانسي، تماما كما سد بيكاسو (الذي توفي في الثانية والتسعين ) الفجوة بين الفن التصويري والفن غير التمثيلي. وقد يدفعك سخطك الآن وتقول إنني وقعت في خطأ التكرار بإشارتي المتكررة إلى عمليات بحث الإنسان طوال هذا الكتاب. إلا أن التكرار يعمل أيضا على تأكيد وجهة النظر . وفي حالتي أنا أحاول إقناعك بعدم وجود أي نشاط فعليا لا يمكن إرجاعه إلى سعي الإنسان غير المنتهي؛ بحثا عن الابتكار وعن تفسيرات، وبدافع من الفضول والحاجة أيضا.
يشكل المجتمع الذي يعمل فيه الفنان أسلوبه؛ فقد أدت ثقافات العصر الإليزابيثي في إنجلترا أو القرن السابع عشر في هولندا، وثقافات القرن الثامن عشر في فرنسا أو التاسع عشر في ألمانيا، إلى ظهور فن عظيم. ولو ولد شخص في خيال شكسبير أو موليير منذ 4 آلاف سنة ما كان استطاع كتابة مسرحيات. وبالتأكيد عاش شخص ما لديه مثل هذه الموهبة في مكان ما في هذا الوقت، وإن كان هذا في وادي النيل، فربما كان له إسهام في الفن الذي ظهر في مصر القديمة. يعكس عمل الفنان الثقافة التي يعيش فيها. أركز في حديثي هنا على الفنانين الذكور؛ لأنه حتى وقت قريب لم يكن المجتمع داعما لمزاولة النساء للفن (أو في الواقع أي وظيفة بخلاف الزواج وإنجاب الأطفال، والعلاقات العاطفية ورعاية المنزل)، ولهذا السبب لم يظهر إلا عدد قليل للغاية من الفنانات على مدار السنين؛ قال كونفوشيوس:
37 «افتقار النساء للموهبة فضيلة.» (لكن لاحظ كاتب في القرن السابع عشر أن «النساء تفوق الرجال بالفعل في الفضائل وفي مواهب عقلية نادرة، وأعتقد أننا سنجد أن النساء تتفوق على الرجال في هذا الموضع أيضا».)
ناپیژندل شوی مخ