ځواب په د الله پرته قسم خوړلو کې او د قبرونو طرف نماز ادا کولو کې
جواب في الحلف بغير الله والصلاة إلى القبور، ويليه: فصل في الاستغاثة
ایډیټر
رسالة ماجستير - قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود
خپرندوی
مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
١٤٢٦ هـ
د خپرونکي ځای
الرياض - المملكة العربية السعودية
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٥)
الاستغاثة في الرد على البكري
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ (المتوفى ٧٢٨ هـ)
دراسة وتحقيق
د. عبد الله بن دجين السهلي
عضو هيئة التدريس بقسم الثقافة الإسلامية - جامعة الملك سعود
مكتبة دار المنهاج
ناپیژندل شوی مخ
* قال الحافظ ابن كثير:
"والمقصود أن الشيخ رد على البكري ونقض أقواله نقضًا أجاد فيه وأفاد، وبيَّن ما فيه من حق وباطل في مجلدة كبيرة، أبطل فيها أنواع الشرك الاعتقادي والعملي وما يتفرع منهما بالأدلة والبراهين القاطعة المقبولة؛ التي تسر أهل السنة وتقرّ أعينهم عند سماعها، وتسوِّد وجوه أهل الأهواء والبدع ويرهقها قتر وذلة، فرحم الله من قبل الحق ونصره، ورد الباطل وخذله وأهله".
تلخيص الاستغاثة - لابن كثير (ص ٥)
هذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير تقدم بها المحقق إلى قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، ونوقشت في الثاني من شهر الله المحرم عام ١٤١٧ هـ وبتوفيق الله -تعالى- وفضله أجيزت الرسالة بتقدير ممتاز.
1 / 2
الاسْتغَاثَة في الرَّد عَلَىَ البَكْرِيّ
1 / 3
(ح) مكتبة دَار الْمِنْهَاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٥ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
ابْن تَيْمِية، أَحْمد بن عبد الْحَلِيم
الاستغاثة فِي الرَّد على الْبكْرِيّ/ أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية؛ عبد الله بن دجين السهلي - الرياض، ١٤٢٥ هـ
٥١٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٥ - ٤ - ٩٥٥٧ - ٩٩٦٠
١ - التَّوْحِيد
٢ - الْبدع فِي الْإِسْلَام
أ- السهلي، عبد الله بن دجين (مُحَقّق)
ب- العنوان
ديوي ٢٤٠ ... ٧٢٦٠/ ١٤٢٥
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار الْمِنْهَاج بالرياض
الطبعَة الأولى، ١٤٢٦ هـ
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة ١٤٢٦ هـ، لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطى من الناشر.
مكتبة دَار الْمِنْهَاج
للنشر والتوزيع
المَملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة. الرّيَاضِ
المركز الرئيسي: طَريق الْملك فَهد/ شمَال الجَوازات
هَاتِف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - ص ب ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣
الْفُرُوع: طَريق خَالِد بن الْوَلِيد (إنكاس سَابقًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥
مَكة المكَرمة - الشامية هَاتِف ٥٧٣٠٩٨٠
1 / 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الرسل والنبيين وعلى آله وصحبه، وبعد:
فأحمد الله -تعالى- على ما منَّ به من نِعَمه العظيمة، وأعظمها نعمة الإسلام والتوحيد واتباع ما جاء به الرسول ﷺ، فهذه أكبر النِعَم التي لم يوفق لها طوائف من المسلمين، وهذه الطبعة الثانية من كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري"، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد راجعت الكتاب على الأصول الخطية، وعلى المخطوطة الرابعة التي لم تكن كاملة في الطبعة الأولى، وهي مخطوطة المعهد العلمي بحائل، والتي أرمز لها بـ "ح"، وبفضل الله وحده، تم إصلاح بعض المواضع المشكلة، وتصحيح أخرى في هذه الطبعة، كما اختصرت التعليقات والتعريفات، وحذفت بعضها الآخر، ليسهل انتشار الكتاب، ويكون في مجلدة واحدة.
وفّق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
د. عبد الله بن دجين السهلي
١٤/ ٦/ ١٤٢٥ هـ
الرياض
1 / 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد:
فإنه لا يشك مسلم في، أهمية التوحيد الخالص، وضرورته للبشرية أجمع، فما أرسل الله رسولًا إلا وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وينذرهم الشرك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالشرك خطره عظيم، ومن تأمل القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وجدهما مصرِّحين، ببطلان دين المشركين وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده، وأنهم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حلت بهم المثلات ونزلت بهم العقوبات.
ولذا كانت وصية النبي ﷺ لأمته، وفي آخر لحظات عمره ﷺ، التحذير من هذا الداء الوبيل، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١)، وفي رواية: "وصالحيهم"، ولقد كانت الأمة على هذه الوصية الشريفة فى القرون الثلاثة، حتى أصابها ما أصاب الأمم قبلها فظهرت بدعة القبورية (٢)، أواخر القرن الثالث الهجري،
(١) انظر: ص ٢٢٤.
(٢) القبورية -أو عباد القبور-: نسبة للقبور، ويراد بهم: كل طائفة جاوزت الحد =
1 / 7
حين ضعفت دولة بني العباس، لما تفرقت الأمة وكثر فيها الزنادقة، وقد شاعت بين الرافضة أولًا، لما صارت لهم دويلات، كدولة بني بويه، ودويلات الباطنية من العبيدية (١) والإسماعيلية (٢) وغيرهم، حيث نشروا بدع المشاهد والقبور، والعبادة عندها، ودعاء المقبور وغير ذلك.
ثم انتشرت في القرن الرابع والخامس وما بعدهما، وسارت الطرق الصوفية على سبيل الرافضة تنشر هذه البدع، وتروِّجها، حتى عمَّت البلوى في كثير من بلاد الإسلام.
هذا من ناحية ...
ومن ناحية أخرى: لما عُرّبت كتب اليونان الوثنية، عكف عليها من سُمُّوا بفلاسفة الإسلام كالفارابي (ت ٣٣٩ هـ) (٣) وابن سينا (ت ٢٨٠ هـ) (٤) وغيرهما، فتأثروا بها ونقلوها، وخالفوا طريقة المرسلين، وسايرهم كثير من المتكلمين؛ كالمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فاختلقوا قضايا موهومة؛ ومشاكل أوقعوا أنفسهم فيها، زعمًا منهم أنهم دعاة للتوحيد، وحماة لعقائد المسلمين، وحقيقة حالهم لا للفلاسفة كسروا ولا للإسلام نصروا (٥)، وكانوا سبب تسلط الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام، فلم يعرفوا التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
فمن هذه الطرق الرافضة والفلاسفة والمتكلمين والصوفية الخرافية تسربت البدع القبورية إلى بعض المسلمين وكان من أعظم هذه البدع، بل أمُّ هذه البدع الاستغاثة بالأموات، حتى وصل حال الأمة الإسلامية كما وصفها
= في تعظيم المقبور، وقد يكون هذا التعظيم شركًا أكبر أو من وسائل الشرك. ووجدت هذه الطوائف في كثير من الأمم، وسلفهم قوم نوح ﵇ وأول من عُرف بهذا الأمر في الأمة الإسلامية الرافضة في آخر القرن الثالث الهجري. انظر: ص ٤٨ من هذا الكتاب، وكتاب جهود علماء الحنفية، تأليف د. شمس الدين السلفي الأفغاني الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ الناشر دار الصميعي - الرياض.
(١) انظر: ص ٣٢٤.
(٢) انظر: ص ١٧٦.
(٣) انظر: ص ٣٢٠.
(٤) انظر: ص ٢٧٢.
(٥) مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٠٠.
1 / 8
الإمام العلامة الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (١) في قصيدته:
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وودًا ليس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الصمد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أُهِلَّت لغير الله جهلًا على عمد
وكم من طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن بالأيدي (٢)
نعم هذه حال بعض المنتسبين للإسلام -هداهم الله- يستغيثون بالمقبورين، ويدعونهم من دون الله، ويطوفون بالقبور، ويحجون إليها، ويرون أنهم قد أربوا في الربح على حجاج البيت الحرام.
فعزمت أن يكون موضوع رسالتي للماجستير في هذا المجال، تحقيقًا أو موضوعًا.
وخلال البحث وجدت أن أغلب من كتب في هذا ينقل أو يحيل إلى كتاب عظيم الفائدة غزير المعنى، قد استوفى المسألة بحثًا وتحقيقًا وتحريرًا لإمام من أئمة المسلمين وعَلَم من أعلام السنة النبوية، وهو كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" للإمام المجدد شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) محيي السنة وقامع البدعة، وهو من أوفى الكتب في هذه المسألة (الاستغاثة بالأموات)، ومن أجلّ الكتب التي نافحت عن العقيدة الصحيحة، ودرأت الشبهات الشيطانية، رد فيه شيخ الإسلام على أحد دعاة القبورية في عصره، وهو علي بن يعقوب البكري (ت ٧٢٤ هـ). ويمكن إيجاز أهمية الكتاب بما يلي:
(١) هو أبو إبراهيم عز الدبن محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني، المعروف كأسلافه بالأمير، مجتهد من بيت الإمامة باليمن، تعرض لمحن من بعض المتعصبين والعوام، له تصانيف نافعة أشهرها "سبل السلام"، توفي ﵀ ١١٨٢ هـ - انظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني ٢/ ١٣٣ الطبعة الأولى ١٣٤٨ هـ مطبعة السعادة القاهرة - مصر، والأعلام ٦/ ٣٨.
(٢) انظر: ديوان الأمير الصنعاني، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، قدم له وأشرف على طبعه علي السيد صبح المدني ص ١٢٩ الطبعة الأولى ١٣٨٤ هـ مطبعة المدني - القاهرة.
1 / 9
أولًا: إنه أول وأفضل كتاب في الرد على من استغاث بالمقبور، وقضية الاستغاثة بالأموات من أهم موضوعات الخلاف بين دعاة التوحيد ودعاة الشرك، بل هي الركيزة الأساسية في الخلاف، فهو كتاب مهم في موضوع هام.
ثانيًا: غالب من تكلم في قضية الاستغاثة يرجع إلى هذا الكتاب، ويبلغ النقل أحيانًا عدة صفحات متتابعة، ولا يحسن العناية بهذه الكتب دون مصدرها الذي إليه تورد وعنه تصدر.
ثالثًا: ندرة الكتاب في المكتبات، مطالبة كثير من أهل العلم بإخراجه مع سوء الطبعة السابقة وكثرة الأخطاء في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكثرة السقط والتحريف والتصحيف، دون أي خدمة أو معالجة، يقابل ذلك كتب أهل البدعة، التي نراها منتشرة ومحققة، ومطبوعة طباعة فاخرة.
رابعًا: على ما في طبعة الكتاب السابقة من تحريف وسقط، ففيها أخطاء علمية كبيرة، منها: عنونة الكتاب بـ "تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري"، وهذا غير صحيح، فكتاب "تلخيص الاستغاثة" غير "كتاب الرد على البكري"، فالثاني أصل، والأول تلخيص له، فكتاب تلخيص الاستغاثة لابن كثير، والرد على البكري لابن تيمية، فبينهما فرق.
وهذا الخطأ أدى لأخطاء علمية أخرى، فنقل بعض الباحثين من تلخيص الاستغاثة، وجعل المرجع الرد على البكري (١).
كما أن في التلخيص نصوصًا لابن كثير لم يذكرها ابن تيمية إطلاقًا، بل في الأصل ما يخالف أحدها، وقد بينت هذا في الكلام على التلخيص (٢).
خامسًا: هذا الكتاب كما أنه وضّح أصل بدعة الاستغاثة بالمقبور وبداية وجودها في الأمة الإسلامية، فهو كذلك يعالج كثيرًا من البدع المتعلقة بالقبور وغيرها.
(١) انظر: على سبيل المثال: كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه، تأليف د. عبد الرحمن الفريوائي ص ٥٩٨، ٦٠١ - ٦٠٥، ٦١٣، ٦٢٠، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ الناشر دار العاصمة الرياض، وكتاب الدر النضيد في تخريج كتاب التوحيد، تأليف صالح العصيمي ص ٥٥ الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ الناشر دار ابن خزيمة - الرياض.
(٢) انظر: ص ٨٥.
1 / 10
سادسًا: إنه من مصنفات إمام له قدم راسخ في العلم والفهم، متحرر من ربقة التقليد والتعصب، وهو شيخ الإسلام بحق. لهذه الأسباب وغيرها، اخترت هذا الكتاب "كتاب الاستغاثة في الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية" تحقيقًا ودراسة، وذلك في أطروحة الماجستير، وقد أيد هذا الاختيار أساتذتي في قسم الثقافة الإسلامية.
وقد واجهتني بعض الصعوبات عند تسجيل الموضوع وعند العمل فيه، منها:
أولًا: إن هذا الكتاب لم يحظ بما حظيت به كتب الشيخ الأخرى من الحفظ والعناية، فقد فُقد منه أوله، وقد بذلت كثيرًا من الجهد والوقت في البحث عنه ولم أجد أي ذكر له، ولربما كان هذا سببًا في إعراض كثيرٍ من الباحثين المهتمين بتراث هذا الإمام عن تحقيقه، فأملي من القراء الكرام من وجد شيئًا من ذلك أن يرشدني إليه مشكورًا مأجورًا مجزيًّا من الله خيرًا.
ثانيًا: عدم ذكر فهارس المخطوطات والمصادر العلمية لهذا الكتاب أو أي معلومات عنه إلا فيما ندر، ويدل على ذلك أن جميع النسخ الخطية التي اعتمدت عليها لم ترد في فهرسٍ متداول.
ثالثًا: عدم تعاون بعض دور المخطوطات.
رابعًا: مع كثرة ما استطعت جمعه من مخطوطات الكتاب إلا أنه وللأسف يوجد فيها سقط وتحريف وتصحيف، وقد أمضيت أوقاتًا طويلة محاولًا إكمال سقط أو إصلاح تحريف؛ أو تصحيف، كما قال بعضهم:
"ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام" (١).
قلت: هذه الصعوبة على الكاتب نفسه، فكيف بغيره مع بُعد الزمن، وقصور الهمم، وقلة البضاعة.
(١) الحيوان للجاحظ، ت. عبد السلام هارون ١/ ٧٩، ط. الثانية، الناشر مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
1 / 11
ومن أهم نتائج هذا البحث، إثبات المؤلف أن الاستغاثة بالأموات قضية مبتدعة لم تعرفها الأمة الإسلامية عدا الشيعة، إلا في نهاية القرن الثالث الهجري، وأن هذه البدعة الشركية بدأت في الأمة بذكر قصص من استغاث بالنبي ﷺ، ثم صارت إلى ما كان عليه البكري، ومع ذلك لم يستوعب جميع شبهات القبورية.
فهذه القضية عند هؤلاء القوم في توسع مطرد.
وعملي في الكتاب على قسمين:
* القسم الأول: الدراسة:
وبتكون من بابين:
الباب الأول: ترجمة المؤلف وموقف البكري منه.
الباب الثاني: دراسة للكتاب.
* القسم الثاني: تحقيق الكتاب:
وبين يدي التحقيق وصف للنسخ الخطية ومنهج التحقيق، وقد اعتمدت على أربع نسخ، واستفدت من النسخ الأخرى ثم أعقبت ذلك بالفهارس المختلفة.
* منهج التحقيق:
جعلت أقدم هذه النسخ وأفضلها هي الأصل، وهي المحفوظة بجامعة أم القرى، وقارنتها بثلاث نسخ أخرى، وهي نسخة المكتبة السعودية التابعة للإفتاء ورمزت لها بحرف "ف"، ونسخة دارة الملك عبد العزيز وأصلها في مكتبة جامعة الملك عبد العزيز بجدة ورمزت لها بحرف "د"، ونسخة المعهد العلمي بحائل ورمزت لها بحرف "ح".
وقد عرَّفت بالفرق والمذاهب تعريفًا موجزًا، وترجمت لغير المشهورين من الأعلام، وعزوت الآيات والأحاديث وعلقت على بعض المواضع التي أرى أنها تحتاج إلى تعليق، كل ذلك بقدر الطاقة والاستطاعة مع الاختصار قدر الإمكان.
1 / 12
وبعد، فأشكر الله تعالى وأحمده على ما منّ به ووفَّق، فحقه تعالى أن يذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُعصى، ثم أشكر والديّ اللذين ربَّياني وأحاطاني بعنايتهما ورعايتهما، ثم أقدم الشكر الجزيل لكل من ساهم أو سأل أو ساعد في هذا البحث، وأخص أساتذتي سعادة الأستاذ الدكتور محمد أبو الغيط الفرت المشرف على الرسالة بوافر الشكر والامتنان، على ما بذله من وقت وجهد.
وأشكر فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على تفضله وتكرمه بقبول مناقشة هذه الرسالة رغم انشغاله وضيق وقته، كما أشكر سعادة أستاذنا الدكتور رزق بن يوسف الشامي الذي أعطاني من وقته وجهده الكثير، وقد كان مع هذه الرسالة منذ كانت فكرة حتى أصبحت رسالة ليتفضل بمناقشتها، فلهم مني جميعًا وافر الشكر والتقدير، وأسأله تعالى أن يجعل العمل لوجهه خالصًا، وأن ينفع به يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وحسبي أني بذلت جهدي وطاقتي؛ فإن أصبت فذلك قصدت، والخير أردت، ورجائي ممن يجد ما يفيد الكتاب أن يبعث إليّ مشكورًا.
وما أحسن ما قال الشاعر:
وإن تجد عيبًا فسد الخللا ... فجلَّ من لاعيب فيه وعلا
فما كان من صواب فمن الله وحده، هو المانّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.
والله وحده هو المعين والهادي إلى سواء السبيل، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.
1 / 13
القسم الأول: الدراسة
وتتكون من ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية والبكري ودراسة للكتاب
1 / 15
الباب الأول: في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية وترجمة البكري
وفيه فصلان:
الفصل الأول: ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية
الفصل الثاني: ترجمة البكري وموقفه من ابن تيمية
1 / 17
الفصل الأول: ترجمة مختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من العلماء البارزين، بل لعل تاريخ الإسلام في عصوره الوسطى والأخيرة لم يشهد شخصية أشهر من ابن تيمية، اعترف لها بالفضل الصديق والخصم، وهو أشهر من أن يُعَرَّف به، وقد حظي بتراجم عديدة، مفردة وغير مفردة، كما أن كتبه ورسائله وفتاواه صارت مجالًا خصبًا للتأليف والدراسة والنشر والتحقيق، ولم يغفل محققوها وناشروها الترجمة له.
ولذلك يصعب حصر المصادر والمراجع التي تناولت حياته بالشرح والتفصيل فما بالك بالإحاطة بحياة هذا الإمام الفذ. لذا سأقتصر على ترجمة مختصرة.
* ترجمة موجزة للمؤلف:
اسمه ونسبه ومولده ونشأته:
هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس، أحمد بن العلامة (شهاب الدين أبي المحاسن) عبد الحليم بن (مجد الدين أبي البركات) عبد السلام بن (أبي محمد) عبد الله بن (أبي القاسم) الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني الدمشقي.
ولد يوم الاثنين العاشر أو الثاني عشر من ربيع الأول سنة (٦٦١ هـ) بحران (١)، ولما بلغ من العمر سبع سنين انتقل مع والده إلى دمشق، لسوء أحوال حران وما حولها بعد استيلاء التتار عليها.
(١) حران: بتشديد الراء، من مدن الجزيرة، قيل: سميت بهاران أخي إبراهيم ﵇ =
1 / 19
وقد نشأ في عائلة اشتهرت بالعلم والمكانة، فجده مجد الدين عبد السلام بن عبد الله من العلماء الأعلام، صاحب التصانيف النافعة التي منها: "المنتقى من أحاديث الأحكام"، "والمجرد في الفقه" وغيرهما. ووالده شهاب الدين أبو المحاسن شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد وفاة والده مجد الدين. وإخوته ثلاثة، وهم: بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني، وشقيقاه: زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم، وشرف الدين عبد الله بن عبد الحليم، جميعهم اشتهروا بالعلم والفضل.
ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة ابن تيمية، وقد بدأ بطلب العلم أولًا على والده وعلماء دمشق، فحفظ القرآن وهو صغير، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير، وعُرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ صغره، ثم توسع في دراسة العلوم وتبحر فيها حتى أفتى ودرَّس قبل بلوغ العشرين عامًا، وما لبث أن صار إمامًا يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة، قبل بلوغ الثلاثين من عمره.
* مكانته ومنزلته:
لقد تبوأ شيخ الإسلام ابن تيمية مكانة عظيمة بين علماء عصره، لأسباب منها:
١ - العلم الغزير، فهو إن درّس أو خطب أو أفتى أو كتب رسالة أو كتابًا في أي فن من الفنون أتى بما يفوق علماء عصره، وما يبهر عقولهم.
٢ - بُعده عن المناصب أو أخذ رواتب من الدولة، وكان ذلك عن عزم وتصميم، فلم يتول القضاء أو الإمارة أو غيرها، حتى وهو في السجن لم يأكل من الطعام الذي يُحضر له في السجن.
٣ - جهاده في سبيل الله، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،
= لأنه أول من بناها فعرِّبت فقيل حران، وبها منازل الصابئة الذي يقال لهم: (الحرانيون).
فتحها عياض بن غنم سنة ١٧ هـ لما فتح الجزيرة، وهناك حران الكبرى وحران الصغرى قريتان بالبحرين، وحران أيضًا من قرى حلب. انظر: معجم البلدان، تأليف ياقوت الحموي تحقيق فريد عبد الرحمن الجندي ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ رقم ٣٥٨٦، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
1 / 20
وفضحه أصحاب الحيل الشيطانية، ورده على أهل الأهواء والبدع.
* جهاده وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
لقد تميزت حياة ابن تيمية -يرحمه الله- بهذه الميزة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، والكلام حول هذا الجانب يطول، ولكن نشير إلى مسائل مهمة تتعلق بموضوع هذا الكتاب، وهي التطبيق العملي له، فمن ذلك:
١ - كسره للأصنام والأماكن التي تعظّم من دون الله -تعالى-، قال ابن القيم: "وقد كان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسَّر الله -سبحانه- كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد التاريخ من المصلى يعبده الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله النصب الذي كان عند الرحبة يسرج عنده، وبتبرك به المشركون وكان عمودًا طويلًا على رأسه حجر كالكرة، وعند مسجد درب الحجر نصب قد بني عليه مسجد صغير يعبده المشركون يسر الله كسره" (١).
وله مواقف عظيمة في جهاد التتار والنصارى، وطوائف من ضلَّال المسلمين من الفلاسفة والمتكلمين والرافضة والباطنية والصوفية وغيرهم. وقد فضح هذه الطوائف وبيّن ضلالها بقلمه ولسانه، وجاهدهم بيده.
والمطلع على هذا الجانب من حياة الشيخ يكاد يجزم بأنه لم يبق له من وقته فُضلة، وقد حورب وأوذي وسجن مرات في سبيل الله، حتى وافته منيته مسجونًا.
ولا تزال بحمد الله ردود الشيخ سلاحًا فعالًا ضد أعداء الحق ودعاة
(١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، لابن القيم، تحقيق محمد عفيفي ١/ ٣٢٩ الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ - الناشر المكتب الإسلامي بيروت، وانظر كتاب: ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، بقلم خادمه أحمد الغياني، تحقيق محب الدين الخطيب ص ٨ - ١٢ طبعة ١٣٦٨ هـ الناشر المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة - مصر، والبداية والنهاية ١٤/ ٣٨.
1 / 21
البدع، لأنها تستند على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف، مع قوة الاستنباط والاستدلال والاحتجاج بالشرع والعقل، مع إنصاف وعدل.
وردود الشيخ كما كانت ردًا شافيًا وقويًا وتقويمًا لضلال فرق عصره ﵀ فهي رد على امتداد هذه الفرق في هذا العصر، ولذلك فإن كثيرًا ممن قام بالرد على أي فرقة لا بد أنه استفاد من كتابات الشيخ وردوده.
* محنته وسجونه:
امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية محنًا عديدة، ما تكاد تنتهي محنة حتى تبدأ محنة جديدة، إلى أن لقي ربه وهو في سجن القلعة بدمشق.
ولعل من أعظم أسباب هذه المحن عداء بعض العلماء والقضاة له؛ لمواقفه العظيمة؛ ووجاهته عند الناس؛ وتشرّب كثير منهم بالبدع: من بدع الفلاسفة وأهل الكلام أو القبورية والصوفية، وأول هذه المحن محنته بسبب الفتوى الحموية (١)، ثم محنته ومناظرته حول الفتوى الواسطية (٢)، وهما في تقرير مذهب السلف في الصفات والرد على المتكلمين، لذا لم يكن للصوفية دور بارز فيهما، وإنما كان لبعض رجالاتهم سعي لدى السلطان؛ لامتحان الشيخ مرة بعد أخرى.
ثم كان امتحان الشيخ وذهابه إلى مصر وسجنه بالجب ثمانية عشر شهرًا، أما محنته مع الصوفية ففي مصر بعد خروجه من السجن وبقائه فيها، كان يتطرق إلى جوانب عقدية تمس أحوال الصوفية وبدعهم؛ فقام نصر
(١) ملخص هذه المحنة: أن شيخ الإسلام ابن تيمية كتب جوابًا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، فقام عليه بعض الأشاعرة لأنهم يرجحون مذهب المتكلمين، وقد كانت في ربيع الأول سنة ٦٩٨ هـ.
انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف د. عبد الرحمن المحمود، ١/ ١٧٦ - ١٧٨، ط. الأولى ١٤١٥ هـ الناشر مكتبة الرشد الرياض.
(٢) وبدأت هذه المحنة في يوم الاثنين الثامن من رجب سنة ٧٠٥ هـ حين ورد مرسوم من السلطان بأن يسأل الشيخ عن عقيدته، فأحضر الشيخ العقيدة الواسطية والتي كتبت قبل سبع سنين، وقرئت وجرى نقاش حول عدة قضايا، وعقدت مجالس أخرى انتهت لصالح الشيخ.
انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف د. عبد الرحمن المحمود ١/ ١٧٩ - ١٨٢.
1 / 22
المنبجي (١) وابن عطاء الله السكندري (٢) -وللبكري دور فيها- بإثارة أتباعهم من المتصوفة، فاجتمع خلق كثير منهم؛ من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا أن يشكوا الشيخ إلى السلطان، فطلع منهم خلق كثير إلى القلعة وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان، واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم، وذلك في شوال سنة ٧٠٧ هـ.
فأمر السلطان أن يُعقد له مجلس، فَعُقِد له مجلس يوم الثلاثاء العاشر من شهر شوال سنة ٧٠٧ هـ، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: "لا يستغاث إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به، ويستشفع به إلى الله"، فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: "قد قلت له ما يقال لمثله"، ثم جاء الأمر من الدولة أن يخيّر بين أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم، ثم لما سافر ليلة ١٨ شوال من السنة نفسها، رُد من الطريق وقيل: "إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس"، فقال القاضي ابن جماعة: "وفيه
(١) هو: أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر الكبجي المنبجي صوفي له زاوية بالحسينية، كان الجاشنكير يعتقد فيه، وكان يغالي في محبة ابن عربي الصوفي، مات سنة ٧١٩ هـ ودفن بزاويته.
انظر: ذيول العبر في خبر من غبر، لشمس الدين الذهبي، تحقيق أبو هاجر محمد زغلول ٤/ ٥٥ الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، والبداية والنهاية ١٤/ ١٠٤.
(٢) هو: أبو الفضل تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري، صوفي شاذلي، من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة ٧٠٩ هـ.
انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ١/ ٢٧٥ ترجمة رقم ٧٠٢، والأعلام للزركلي ١/ ٢٢٢.
(٣) هو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، الحموي الأصل ولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم نقل منه إلى قضاء مصر، كان ﵀ ديّنًا ورعًا، له تصانيف نافعة منها: "المنهل الروي في الحديث النبوي" وغيره، توفي سنة ٧٣٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٧٨، والأعلام ٥/ ٢٩٧.
1 / 23
مصلحة له"، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: "أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة"، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير (١) الذي تسلطن فيما بعد.
واستمر الشيخ في الحبس يستفتى؛ ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة وأكب الناس على الاجتماع به (٢).
فلما كثر اجتماع الناس بالشيخ وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم؛ وصاحب ذلك تسلطن الجاشنكير تلميذ نصر المنبجي، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينال من الجاشنكير؛ ومن شيخه نصر المنبجي، ويتكلم في ابن عربي وأتباعه.
فقرروا أن يسيِّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي؛ -في نهاية شهر صفر سنة ٧٠٩ هـ- ومنعوا أن يذهب معه أحد من أصحابه رجاء أن يقتل، وأقام بثغر الإسكندرية في برج مليح واسع؛ يتردد عليه الناس وقد لحق به أصحابه، وبقي ثمانية أشهر، فلما رجع السلطان الناصر إلى الحكم وقدم مصر في يوم عيد الفطر ٧٠٩ هـ؛ لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فقدم إليه في الثامن من شهر شوال.
وبقي الشيخ في القاهرة إلى سنة ٧١٢ هـ، حيث خرج لجهاد التتر صحبة
(١) هو ركن الدين الملك المظفر بيبرس الجاشنكير المنصوري، من سلاطين المماليك، كان من مماليك المنصور قلاوون، وتسلطن في زمن الناصر محمد قلاوون، لما ذهب الناصر للكرك مكرهًا، في سنة ٧٠٩ هـ، كان يعظم نصر المنبجي الإتحادي، وهذا سبب إيذاء شيخ الإسلام في عهده. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٦٠ - ٦١ والأعلام ٢/ ٧٩.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٤٩ - ٥٠، والعقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تأليف الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي، تحقيق محمد حامد الفقي ص ٢٧٠ - ٢٧٢ الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، والكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية، تأليف مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق نجم عبد الرحمن ص ١٣٣ الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، الناشر دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان.
1 / 24