999

جامع البیان په قرآن کې د تفسیر په اړه

جامع البيان في تفسير القرآن

[4.152]

يعني بذلك جل ثناؤه: والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقروا بنبوة رسله أجمعين، وصدقوهم فيما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه { ولم يفرقوا بين أحد منهم } يقول: ولم يكذبوا بعضهم، ويصدقوا بعضهم، ولكنهم أقروا أن كل ما جاءوا به من عند ربهم حق. أولئك يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من المؤمنين بالله ورسله، { سوف يؤتيهم } يقول: سوف يعطيهم { أجورهم } يعني: جزاءهم، وثوابهم على تصديقهم الرسل في توحيد الله وشرائع دينه وما جاءت به من عند الله. { وكان الله غفورا } يقول: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه، فيستر عليه بعفوه له عنه وتركه العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه { غفورا رحيما } ، يعني: ولم يزل بهم رحيما بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق وتوفيقه إياهم لما فيه خلاص رقابهم من النار.

[4.153]

يعني بذلك جل ثناؤه: { يسئلك } يا محمد { أهل الكتاب } يعني بذلك: أهل التوراة من اليهود، أن تنزل عليهم كتابا من السماء. واختلف أهل التأويل في الكتاب الذي سأل اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم من السماء، فقال بعضهم: سألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا، كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة مكتوبة من عند الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } قالت اليهود: إن كنت صادقا أنك رسول الله، فأتنا كتابا مكتوبا من السماء كما جاء به موسى. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك فأنزل الله: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء }... إلى قوله:

وقولهم على مريم بهتانا عظيما

[النساء: 156]. وقال آخرون: بل سألوه أن ينزل عليهم كتابا خاصة لهم. ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } أي كتابا خاصة { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة }. وقال آخرون: بل سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا بالأمر بتصديقه واتباعه. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن نتابعك على ما تدعونا إليه، حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله قال الله جل ثناؤه: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة }. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابا من السماء آية، معجزة جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق، آمرة لهم باتباعه. وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابا مكتوبا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم، وجائز أن يكون ذلك كتبا إلى أشخاص بأعينهم.

بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لينزل الكتاب الواحد إلى جماعتهم لذكر الله تعالى في خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد، بقوله: { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } ولم يقل: «كتبا». وأما قوله: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } فإنه توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتاب الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزله عليهم من السماء في مسألتهم إياه ذلك، وتقريع منه لهم. يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا يعظمن عليك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بالله وجراءتهم عليه واغترارهم بحلمه ، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل، واتخذوه إلها يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم لأنهم لن يعدوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافلهم. ثم قص الله من قصتهم وقصة موسى ما قص، يقول الله: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } يعني: فقد سأل أسلاف هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء فقالوا له { أرنا الله جهرة }: أي عيانا نعاينه وننظر إليه. وقد أتينا على معنى الجهرة بما في ذلك من الرواية والشواهد على صحة ما قلنا في معناه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في ذلك بما: حدثني به الحرث، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا حجاج، عن هارون بن موسى، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا: { جهرة أرنا الله } قال: هو مقدم ومؤخر. وكان ابن عباس يتأول ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة. وأما قوله: { فأخذتهم الصاعقة } فإنه يقول: فصعقوا بظلمهم أنفسهم، وظلمهم أنفسهم كان مسألتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته. وقد بينا معنى الصاعقة فيما مضى باختلاف المختلفين في تأويلها والدليل على أولى ما قيل فيها بالصواب. وأما قوله: { ثم اتخذوا العجل } فإنه يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرة، بعد ما أحياهم الله، فبعثهم من صعقتهم، العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام، إلها يعبدونه من دون الله. وقد أتينا على ذكر السبب الذي من أجله اتخذوا العجل وكيف كان أمرهم وأمره فيما مضى بما فيه الكفاية. وقوله: { من بعد ما جاءتهم البينات } يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا البينات من الله، والدلالات الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانا جهارا.

وإنما عنى بالبينات: أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك، إصعاق الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك. يقول الله مقبحا إليهم فعلهم ذلك وموضحا لعباده جهلهم ونقص عقولهم وأحلامهم: ثم أقروا للعجل بأنه لهم إله، وهم يرونه عيانا وينظرون إليه جهارا، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم، أنهم لا يرون ربهم جهرة وعيانا في حياتهم الدنيا، فعكفوا على عبادته مصدقين بألوهته. وقوله: { فعفونا عن ذلك } يقول: فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه، وللمصدقين منهم بأنه إلههم، بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم عن تصديقهم بذلك بالتوبة التي تابوها إلى ربهم بقتلهم أنفسهم وصبرهم في ذلك على أمر ربهم. { وآتينا موسى سلطانا مبينا } يقول: وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه وحقية نبوته، وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله إياها.

[4.154]

يعني جل ثناؤه بقوله: { ورفعنا فوقهم الطور } يعني: الجبل، وذلك لما أمتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى فيها. { بميثاقهم } يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة. { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } يعني: باب حطة، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودا، فدخلوا يزحفون على أستاههم. { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } يعني بقوله: { لا تعدوا في السبت }: لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس. { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحل لهم ما وراء ذلك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أمصار الإسلام: { لا تعدوا في السبت } بتخفيف العين من قول القائل: عدوت في الأمر: إذا تجاوزت الحق فيه، أعدو عدوا وعدوانا وعداء. وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة: «وقلنا لهم لا تعدوا» بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ساكنين، بمعنى: «تعتدوا» ثم تدغم التاء في الدال فتصير دالا مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ: أم من لا يهدي بتسكين الهاء. وقوله { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا يعني: عهدا مؤكدا شديدا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عنه مما ذكره في هذه الآية ومما في التوراة. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدا، وما كان من أمرهم في ذلك، وخبرهم وقصتهم، وقصة السبت، وما كان اعتداؤهم فيه، بما أغنى عن إعادته لفي هذا الموضع.

ناپیژندل شوی مخ