662

جامع البیان په قرآن کې د تفسیر په اړه

جامع البيان في تفسير القرآن

لبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا

جبانا فما عذري لدى كل محضر

وأما الكبر: فمصدر كبر فلان فهو يكبر كبرا. وقيل: «بلغني الكبر»، وقد قال في موضع آخر:

وقد بلغت من الكبر

[مريم: 8] لأن ما بلغك فقد بلغته، وإنما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: وقد بلغني الجهد بمعنى: أني في جهد. فإن قال قائل: وكيف قال زكريا وهو نبي الله: { رب أنى يكون لى غلم وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر } وقد بشرته الملائكة بما بشرته به، عن أمر الله إياها به؟ أشك في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان بالله، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارا لقدرة ربه؟ فذلك أعظم في البلية! قيل: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير ما ظننت، بل كان قيله ما قال من ذلك، كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: لما سمع النداء يعني زكريا لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك، كما يوحي إليك في غيره من الأمر! فشك مكانه، وقال: { أنى يكون لى غلم } ذكر، يقول: ومن أين { وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، قال: فأتاه الشيطان، فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه، فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم، ناداني ملائكة ربي، قال: بل ذلك الشيطان، لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك، فقال: { رب اجعل لى ءاية }. فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربه فيما راجع فيه بقوله: { أنى يكون لى غلم } ، للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان، حتى خيلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداء من غير الملائكة، فقال: { رب أنى يكون لى غلم } مستثبتا في أمره لتقرر عنده بآية، يريه الله في ذلك أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: { رب اجعل لى ءاية }.

وقد يجوز أن يكون قيله ذلك مسألة منه ربه: من أي وجه يكون الولد الذي بشر به، أمن زوجته فهي عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة والسدي، ومن قال مثل قولهما. القول في تأويل قوله تعالى: { قال كذلك الله يفعل ما يشاء }. يعني جل ثناؤه بقوله: { كذلك الله } أي هو ما وصف به نفسه، أنه هين عليه أن يخلق ولدا من الكبير الذي قد يئس من الولد، ومن العاقر التي لا يرجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئا، لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه، لأن قدرته القدرة التي لا يشبهها قدرة. كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: { كذلك الله يفعل ما يشاء } وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا.

[3.41]

يعني بذلك جل ثناؤه خبرا عن زكريا، قال زكريا: يا رب إن كان هذا النداء الذي نوديته، والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك، وبشارة منك لي، فاجعل لي آية! يقول: علامة أن ذلك كذلك، ليزول عني ما قد وسوس إلي الشيطان فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوت غير الملائكة، وبشارة من عند غيرك. كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قال رب اجعل لى ءاية } قال: قال يعني زكريا : يا ربي فإن كان هذا الصوت منك، فاجعل لي آية. وقد دللنا فيما مضى على معنى الآية، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته. وقد اختلف أهل العربية في سبب ترك العرب همزها، ومن شأنها همز كل ياء جاءت بعد ألف ساكنة، فقال بعضهم: ترك همزها لأنها كانت أية، فثقل عليهم التشديد، فأبدلوه ألفا لانفتاح ما قبل التشديد، كما قالوا: أيما فلان فأخزاه الله. وقال آخرون منهم: بل هي فاعلة منقوصة. فسألوا، فقيل لهم، فما بال العرب تصغرها أيية، ولم يقولوا أوية؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في فاطمة: هذه فطيمة، فقيل لهم: فإنهم يصغرون فاعلة على فعيلة إذا كان اسما في معنى فلان وفلانة، فأما في غير ذلك، فليس من تصغيرهم فاعلة على فعيلة. وقال آخرون: إنه فعلة، صيرت ياؤها الأولى ألفا، كما فعل بحاجة وقامة، فقيل لهم: إنما تفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة، وقال من أنكر ذلك من قيلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواة: ناية، وفي حياة: حاية. القول في تأويل قوله تعالى: { قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا }. فعاقبه الله فيما ذكر لنا بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة، فجعل آيته على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة بيحيى أنه من عند الله آية من نفسه، جمع تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربه على ما يبين له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصا له من هفوته، وخطأ قيله ومسألته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا } إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسمعون: { آيتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { أن الله يبشرك بيحيى مصدقا } قال: شافهته الملائكة، فقال: { رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا } يقول: إلا إيماء، وكانت عقوبة عوقب بها، إذ سأل الآية مع مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا } قال: ذكر لنا والله أعلم أنه عوقب لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد، فأخذ بلسانه. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذكر لنا والله أعلم أنه عوقب لأن الملائمة شافهته فبشرته بيحيى، قالت: { أن الله يبشرك بيحيى } ، فسأل بعد كلام الملائكة إياه الآية، فأخذ عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا رمزا، يقول: يومىء إيماء. حدثني أبو عبيد الرصافي، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن جويبر بن نفير في قوله: { قال رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا } قال: ربا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث. وإنما اختارت القراء النصب في قوله: { ألا تكلم الناس } لأن معنى الكلام: قال: آيتك أن لا تكلم الناس فيما يستقبل ثلاثة أيام، فكانت أن هي التي تصحب الاستقبال دون التي تصحب الأسماء فتنصبها، ولو كان المعنى فيه: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام: أي أنك على هذه الحال ثلاثة أيام، كان وجه الكلام الرفع، لأن «أن» كانت تكون حينئذ بمعنى الثقيلة خففت، ولكن لم يكن ذلك جائزا لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر. وأما الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانا، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثل الهمس بخفض الصوت: الرمز، ومنه قول جوبة بن عائذ:

وكان يكلم الأبطال رمزا

ناپیژندل شوی مخ