جامع البیان په قرآن کې د تفسیر په اړه
جامع البيان في تفسير القرآن
والمراد: واحد من الناس، وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس. ومعنى الكلام: { إذ قال الله } حين قال { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس } يقول: يا عيسى، اذكر أيادي عندك وعند والدتك، إذ قويتك بروح القدس وأعنتك به. وقد اختلف أهل العربية في أيدتك ما هو من الفعل، فقال بعضهم: هو فعلتك، كما في قولك: قويتك فعلت من القوة. وقال آخرون: بل هو فاعلتك من الأيد. وروي عن مجاهد أنه قرأ: «إذ آيدتك» بمعنى: أفعلتك من القوة والأيد. وقوله: { بروح القدس } يعني بجبريل، يقول: إذ أعنتك بجبريل. وقد بينت معنى ذلك وما معنى القدس فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين }. يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لعيسى: { اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس } في حال تكليمك الناس في المهد وكهلا. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه أيده بروح القدس صغيرا في المهد وكهلا كبيرا، فرد «الكهل» على قوله في «المهد» لأن معنى ذلك: صغيرا، كما قال الله تعالى ذكره: دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما. وقوله: { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } يقول: واذكر أيضا نعمتي عليك إذ علمتك الكتاب: وهو الخط، والحكمة: وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك وهو الإنجيل. { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } يقول: كصورة الطير، { بإذني } يعني بقوله { تخلق }: تعمل وتصلح من الطين، { كهيئة الطير بإذني } يقول: بعوني على ذلك وعلم مني.
{ فتنفخ فيها } يقول: فتنفخ في الهيئة، فتكون الهيئة والصورة { طيرا بإذني وتبرىء الأكمه } يقول: وتشفي الأكمه: وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئا المطموس البصر، { والأبرص بإذني }. وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } يقول: واذكر أيضا نعمتي عليك، بكفي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك وقد هموا بقتلك، { إذ جئتهم بالبينات } يقول: إذ جئتهم بالأدلة والأعلام المعجزة على نبوتك وحقية ما أرسلتك به إليهم. { فقال الذين كفروا منهم } يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدوا نبوتك وكذبوك من بني إسرائيل: { إن هذا إلا سحر مبين }. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة: { إن هذا إلا سحر مبين } يعني: يبين عما أتى به لمن رآه ونظر إليه أنه سحر لا حقيقة له. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: «إن هذا إلا ساحر مبين» بمعنى: ما هذا، يعني به عيسى، إلا ساحر مبين، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه أنه ساحر لا نبي صادق. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متفقتان غير مختلفتين، وذلك أن كل من كان موصوفا بفعل السحر فهو موصوف بأنه ساحر، ومن كان موصوفا بأنه ساحر فإنه موصوف بفعل السحر، فالفعل دال على فاعله والصفة تدل على موصوفها، والموصوف يدل على صفته والفاعل يدل على فعله فبأي ذلك قرأ القارىء فمصيب الصواب في قراءته.
[5.111]
يقول تعالى ذكره: واذكر أيضا يا عيسى إذ ألقيت إلى الحواريين، وهم وزراء عيسى على دينه. وقد بينا معنى ذلك ولم قيل لهم الحواريون فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وقد اختلف ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: { وإذ أوحيت } وإن كانت متفقة المعاني، فقال بعضهم بما: حدثني به محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يقول قذفت في قلوبهم. وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم. فتأويل الكلام إذن: وإذ ألقيت إلى الحواريين أن صدقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا: آمنا: أي صدقنا بما أمرتنا أن نؤمن يا ربنا. { واشهد } علينا { بأننا مسلمون } يقول: واشهد علينا بأننا خاضعون لك بالذلة سامعون، مطيعون لأمرك.
[5.112]
يقول تعالى ذكره: واذكر يا عيسى أيضا نعمتي عليك، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى ابن مريم: { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } ف «إذ» الثانية من صلة «أوحيت». واختلفت القراء في قراءة قوله: { يستطيع ربك } فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: «هل تستطييع» بالتاء «ربك» بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن بشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى، هل تستطيع ربك؟ حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حيان بن مخارق، عن سعيد بن جبير أنه قرأها كذلك: «هل تستطيع ربك» وقال: تستطيع أن تسأل ربك؟ وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق: { هل يستطيع } بالياء { ربك } بمعنى: أن ينزل علينا ربك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزل علينا؟ وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { هل يستطيع } بالياء { ربك } برفع الرب، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: { إذ قال الحواريون } من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك }. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كل شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاما منه لما قالوا: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبي الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الرب إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.
فإن ظن ظان أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذبا، ليتقرر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا ويفجر فجاج مكة أنهارا من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كسفا من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الرب محلا أعظم من المحل الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيرا أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم:
اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا
فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه كان يحدث عن عيسى صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما { فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال } عيسى { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين }.
.. إلى قوله:
ناپیژندل شوی مخ