6
وفضلا عن ذلك «فإنه من المستحيل أن ننظر إلى الوجود على أنه يتكون من وحدة مع اختلاف المضمون، ونفترض مع ذلك أن طبيعة المضمون هي أن يكون غير مكترث، وأنه ليست له طريقته المعينة في الاستجابات وتحول الكل.»
7 (4) كلا، ولا يمكن أن نجد في مثل هذه النظرية أساسا معقولا لفكرتي الثواب والعقاب، أو استحسان واستهجان ما يفعله شخص ما. فلو كان الفعل الخاطئ الذي ارتكبه الآن ينفصل تماما عن ماضي ومستقبلي فلا بد أن يكون عقابي ظالما بقدر ما هو عقيم مجدب، فهو ظالم لأنني في لحظة العقاب - وهي لحظة لا بد بالضرورة أن تكون مختلفة عن اللحظة التي ارتكبت فيها الفعل الخاطئ - لا أكون الشخص الذي كنته عند اقتراف الخطأ، وهو عقيم مجدب لأنه لن يكون له أدنى أثر على سلوكي في المستقبل. والواقع أنه «لو كانت أفعال الإنسان الإرادية غير مقيدة بالظروف التي يتضمنها نسق تكوينه الذهني، فإن الأساس الوحيد لعقابه في هذه الحالة لا بد أن يكون انفعالا من انفعالات الحنق أو الانتقام.»
8
وهذا الانفعال نفسه موجه توجيها خاطئا.
وهكذا يتضح أن مذهب اللاجبرية الخالصة لا ينقذ المسئولية الخلقية كما يزعم عادة، فقد ذهب دعاته إلى القول بأن الإنسان مسئول فحسب لأنه ليس ثمة مبرر يدعوه إلى أن يفعل هذا الفعل وأن يمتنع عن ذاك. وهم يقولون إن كون الإنسان مسئولا يعني أنه يستحيل عليه هو نفسه، كما يستحيل على أي شخص آخر أن يعرف ما الذي سيفعله في اللحظة القادمة. إننا لا يمكن أن نعرف ما هي أفعاله إلا بعد أن يفعلها بالفعل، وعندئذ نعرف أن هذه الأفعال كان يمكن أن تكون الضد على خط مستقيم: «إنه بمقدار ما تهتم بإنقاذ المسئولية ... فإنها تحطم شروطها ذاتها ... إنها تصف ذلك الشخص الذي ليس مسئولا، إنه الشخص المعتوه.»
9 (5) ومن ذلك يتضح أن الجبرية التامة، واللاجبرية الخالصة مذهبان خاطئان. «فأحدهما «المذهب الجبري» يزعم أن لكل شيء سببا، وينتهي إلى إنكار حرية الإرادة، بينما يفترض الآخر الحرية كحقيقة مقررة وينكر أن يكون للإرادة سبب. وقد يجوز أن يكون كل مذهب منهما محقا فيما يؤكده مخطئا فيما ينكره، أعني أنه من الممكن أن يكون للإرادة سبب، وأن يكون هذا السبب نفسه مع ذلك حرا.»
10
والقول بأن الإرادة مشروطة وحرة في آن معا هو ما نعنيه «بالجبر الذاتي»؛ فالأفعال الإرادية ترتبط ارتباطا سببيا بمقدمات معينة تقوم في طبيعة تكوين الفاعل نفسه، ما دامت هذه الأفعال تعبر عن طبيعة الفاعل وتحقق ذاته، وهي في نفس الوقت حرة، لأنها ليست نتاجا ضروريا لشيء آخر خارج طبيعة الفاعل نفسه، فبمقدار ما يكون الفاعل مكتفيا بذاته في تفسير الفعل الإرادي فهو حر إلى هذا الحد في هذا الفعل، وهو بإنجازه له على هذا النحو يكون محددا بذاته أو مجبرا ذاتيا. غير أن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح أكبر. (6) كلمة «الشرط» إما أنها تعني مقدما ضروريا، أو مقدما ضروريا وكافيا في آن معا. والشرط الضروري هو شيء إذا تحقق جعل تحقق النتيجة ممكنا. أعني أن «النتيجة» لا يمكن أن تتحقق دون أن يسبقها الشرط الذي هو سببها، في حين يمكن التفكير في الشرط مستقلا عنها. لكن الشرط الضروري والكافي هو شيء، إذا تحقق جعل تحقق النتيجة المشروطة ضروريا ولازما. وفي هذه الحالة لا يمكن التفكير في أي من الحدين بمعزل عن الآخر، لأن العلاقة بين الاثنين مطلقة. (7) وهذا الطابع المطلق للعلاقة بين الحدين في الحالة الثانية والضرورة التي بها يتبع «المشروط» الشرط تؤلف ما يمكن أن نسميه بالسببية الميتافيزيقية وهي التي نجد فيها أن الترابط الضروري بين السبب والنتيجة يمكن معرفته معرفة أولية عن طريق تحليل التصورات؛ أي إن معرفته لا تتوقف على التجربة التي لا تكشف إلا عن العلاقات العرضية وحدها. وهذه السببية الميتافيزيقية - فضلا على أنها تعني ضرورة العلاقة بين السبب والنتيجة - تتضمن وحدة كامنة وراء ثنائيتهما: «إذ كيف يمكن للضرورة المتبادلة بين تصور حد مع حد آخر، وهي الضرورة التي بواسطتها لا يكون تحقق النتيجة إلا تحققا ضروريا للسبب - كيف يمكن لنا أن نتصورها، ما لم تتحد ثنائية الحدين في وحدة أساسية واحدة؟ حين لا نستطيع تصور السبب بدون النتيجة، أو حين تتضمن ماهية السبب ماهية النتيجة. عندئذ لا يصبح التصوران بعد ذلك اثنين، لكنهما يمتزجان في تصور واحد. وفي هذه الحالة يصبح السبب ضروريا للنتيجة والنتيجة ضرورية للسبب؛ ومن ثم تصبح النتيجة في هوية واحدة مع السبب، والعكس صحيح أيضا.»
11 (8) أما التصور التجريبي للسببية فهو عكس هذا التصور الميتافيزيقي: فبدلا من الرابطة الضرورية بين السبب والنتيجة نجد أن العلاقة بينهما حادثة أو عرضية تماما. وإذا كان التصور الميتافيزيقي يميل نحو الوحدة وراء الكثرة، فإن التصور التجريبي يتجه نحو الكثرة، فالأول يهتم بهوية السبب والنتيجة، والثاني يهتم بالتتابع البسيط. والقضايا التي يصدرها الأول عن الواقع قضايا تحليلية لا يضيف فيها المحمول إلى الموضوع شيئا جديدا، حتى إنه ليمكن منطقيا استنباط الموضوع من المحمول. بينما القضايا التي يذكرها الثاني قضايا تركيبية، حتى إننا نجد أن التحليل الكامل للموضوع لا يؤدي إلى استخراج المحمول منه: القضايا الأولى أولية يمكن معرفتها بمعزل عن التجربة، أما الثانية فهي بعدية لا يمكن معرفتها إلا عن طريق التجربة وحدها. وبناء على التصور الأول للسببية نجد أن الشرط «أو السبب» لا يمكن تصوره بدون المشروط أو النتيجة التي تعقبه، أما في حالة التصور الثاني فإن تتابع الحدين لا يمكن ملاحظته إلا في الماضي فحسب، وقد يتكرر - أو لا يتكرر - في المستقبل، فهو تتابع بغير علة
ناپیژندل شوی مخ