ارشاد
الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
فعليك أيها الطالب بمثل عمل هؤلاء ترشد، وداوم على هذا القانون الذي ذكرته لك من ترتيب الأو راد في اليوم والليلة والأسبوع والشهور والسنة واشتغل بذلك بقية عمرك فإن استثقلت نفسك القيام بذلك ودعتك إلى نقضه أو نقصه فاعلم أنها النفس الأمارة بالسوء، وانها إنما تحأو لك لتهلكك وترمي بك إلى مهاوي الشيطان وماذاك إلا بما قد دس إليها إبليس اللعين من فتح باب الأمل وحب الدنيا وطلب العاجلة دون الأخرى، والعجب والأستكثار لعملك لإرادته لإفساد ماقد اكتسبت من الخير، فارجع حينئذ بها إلى الفكر والتأمل لأحوال الموت والقبر والنشر والحشر والجنة والنار، وسرعة زوال الدنيا وفنائها وقلتها في ضمن الآخرة، ثم أجل الفكر ثانيا إلى ماكان عليه عباد الله الصالحون من توظيف الوظائف، والصبر على العبادة والمصابرة على الخوف، والخشية والبكاء والعويل ورفض الدنيا ولذاتها واشغالها كما روى عن أبي الدرداء أنه قال في حديث ألفضيل: شهدت عليا عليه السلام وقد اعتزل عن مواليه واختفي عن من يليه واستتر بفسلان النخل فافتقدته وقلت: لحق بمنزله فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول: الهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، الهي أن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فماأنا مؤمل غير غفرانك ولاأنا براج غير رضوانك قال أبوالدرداء رحمه الله تعالى فشغلني الصوت واقتفيت الأثر فإذا هو على بعينه فاستترت منه واخملت الحركة فركع ركعات في جوف الليل الغابر ثم فزع إلى الدعاء والأستغفار والبكاء والبث والشكوي فكان مما ناجي به ربه أن قال: الهي افكر في عفوك فتهون على خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم على بلىتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه. فياله من مأخوذ لاتنجيه عشيرته ولاتنفعه قبيلته، ترحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء، ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلي آه من نار نزاعة للشوء آه من ملهبات لظي) قال: ثم أمعن في البكاء فلم أسمع له حسا ولاحركة فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر أو قصد لصلاة الفجر فانتبه فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك فزويته فلم ينزو فقلت: إنا لله وأنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب قال: فأتيت منزله مبادرا نعاه إليهم فقالت فاطمة: ياأبا الدرداء لهي والله الغشية التي تأخذه من خشية ا لله ثم اتوا بماء فنضحوه على وجهه فأفاق فنظر إلى وأنا أبكى فقال: مابكاؤك ؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك. فقال: ياأباالدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت إلى الحساب وايقن أهل الجرائم بالعذاب واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية افظاظ فوقفت بين يدي الملك الجبار، وقد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لايخفي عليه خافية.
فإذا نظرت ايها الطالب في أمير المؤمنين وشدة عبادته واتعابه بنفسه وشدة مواظبته على طاعة ربه من كل نوع من أنواع الطاعات، مع أنه مقطوع له بالجنة علمت حقارة عملك وعظم خطرك، وتحققت أنك أولى الناس بالعمل لنفسك والخضوع لربك لنفعك لالنفع غيرك.
وانظر فيما رواه الباقر عليه السلام فإنه قال: والله إن كان على ليأكل أكل العبد ويجلس جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميصين السنبلانيين ويخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر فإذا جاوز كمه اصابعه قطعه، وإذا جاوز كفيه حذفه، ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة، ولالبنة على لبنة ولاقطع قطيعا ولاأو رث بيضاء ولاحمراء، وإن كان ليعطي الناس خبز البر واللحم وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخل، وما أورد عليه امران كلاهما لله رضي إلا اخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يده، وماأطاق عمله احد من الناس، وانه كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وإن أقرب الناس شبها به على بن الحسين ماأطاق عمله احد من الناس بعده).
مخ ۴۸۸