344

واعلم أن أعداء الإنسان من الهوى والشيطان لا يدعونه إلا إلى الأخذ بظاهر الدنيا دون باطنها لما كان ظاهرها يروق الناظر، وباطنها يقود إلى المقابر كما قال تعالى: إنما الحياة الدنيا لعشب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر).

وقال تعالى: زين للناس حب الشهوات) الآية.

ثم بين باطنها بالمثل فقال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) الآية.

وقوله: كمثل غيث أعجب الكفار نباته) الآية، وقد مثلها العقلاء بامرأة عجوز فانية هرمة قد جعل عليها من أنواع الحرير وأنواع الجواهر واللآلئ والفضة والذهب واليواقيت ما لا يوقف على صفة وهي تتعرض لنكاح الناس لا لعشق بها ولكن لتقتل عشاقها وخطابها بحديدة قاطعة. فالناس منهم: من رآها من بعيد فعشقها ودنا منها وهي تستدعيه بزينتها، ولا تريه وجهها حتى إذا قرب إليها ازداد عشقا، ثم نزع لباسها قليلا قليلا لمواصلتها مع شدة عشقه وشوقه فبينما هو كذلك إذ بها قد نالته بحديدتها بعد ما أرته وجهها، وتبين له قبح منظرها وكراهية خلقها، وإنها مزخرفة مدلسة موضوعة لقتل عشاقها وأزواجها.

ومن الناس من يحمي نفسه عنها قبل كشفها فلا ينال منها إلا مجرد المحبة من دون تحقيق العشق لها.

ومنهم من يناله مجرد العشق من دون أن يواصلها، وقل من سلم منها من عشاقها، وعلى حسب مواصلتهم وقربهم منها يكون هلاكهم فالأعداء من الهوى والشيطان إنما يدعون إلى الظاهر وهو اللهو واللعب، الذي لا ينفع بل يضر، والله يدعو بالنصحاء وهم العقل والكتاب والسنة إلى دار الكرامة وإلى القرب منه بالرضاء والجلالة، فأي الداعيين أحق بالإجابة ؟ وأولى في دعائه بالإصابة.

مخ ۳۵۱