ارشاد
الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
فهذا الجاهل بمنزلة من كان في طريق راكبا على فرس جواد، فلما اعترضه الأسد وهو لا يعرفه استحسن خلقه وصورته، فنزل عن فرسه، وارتفع على موضع عال ورمى بنفسه على ظهر الأسد، ولا يشعر بمضرته، وهو يخفي على الناس لئلا يعيبوا عليه ركوبه بدلا عن فرسه، فكما أن هذا الجاهل مهلك لنفسه، حيث لم يسأل عن ماهية مركوبه، ومن أي الأجناس هو، مع تجويزه أن يكون هو الأسد، فكذلك راكب الشبهات، والساكت على ما في قلبه منها.
وكالذي يستبدل السم بما معه من الدواء، على غير معرفة ولا بصيرة، ولا يشعر، ولا هو يسأل من يشعر، فكما أنه إلى الهلاك، فكذلك هذا، وكما أن العمل إنما يكون على حسب العلم، فكذلك العلم أيضا، فإنه لا ينفع إلا مع العمل.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن أشد الناس عذابا عالم لم ينتفع بعلمه).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيئ الناس ويحرق نفسه).(1)
فينبغي للعاقل أن يرجع إلى نصحائه، وهم المشيرون عليه بالنصيحة، عقله، وكتاب الله، وسنة رسوله، ويعمل بحسب ذلك، فإنما العمل الصالح بمنزلة البناء المحكم، فكما أنه لا يتم البناء المحكم إلا من عالم به، فكذلك العمل الصالح، وكما أنه لا ينتفع العالم بالبناء المحكم إلا بالعمل، وهو البناء لئلا يقف في الصحارى في الحر والبرد والأعداء وسائر المضار، فكذلك لا ينفع العلم إلا مع العمل، وكما إن هذا البناء إذا انثلم دخلت الأعداء من الثلم على صاحبه، فكذلك العمل الصالح متى انثلم دخلت الأعداء على صاحبه، وهم الشياطين فأهلكته، ودمرته، وخربت عليه عمله، كما يخرب العدو والدار، وأهلكت روحه بالنار، كما يهلك العدو نفس عدوه بالقتل، ويلحقه بالبوار.
مخ ۳۴۹