ارشاد
الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
فانظر أيها الطالب إلى مناجاة يحي بن خالد في كتابه لهارون لعنهما الله تعالى، هل أبقى شيئا يحسن من الاعتذار، والتذلل والخضوع الذي كان يصلح أن يكون عبادة لرب العالمين إلا أتى به، مع أن هارون ما قبل منه ذلك، مع قلة الجناية من يحي بن خالد إليه، وعلى كثرة الأنعام من البرامكة عليه، فإنهم حصنوا هارون الغوي، وحمله يحي بن خالد البرمكي إلى غزو ملك الروم، حتى هادن ملك الروم على مال جسيم خراجا منه.
وعلى أيديهم كان هلاك أعدائهم من أهل البيت عليهم السلام مثل إدريس بن عبد الله وغيره فالإساءة منهم إليه، مثله لا يحتاج إلى مثل هذا الاعتذار العظيم، مع ما جرى منهم من الأنعام، ولو أنه رجع إلى ربه، وناجاه بمثل ذلك، بل بما هو أصغر من ذلك، وهو فعل يسير، تحصيل في القلب بأقل القدر وهو الندم لقبل تعالى توبته، ولمحا خطاياه العظيمة، وإساءته الجسيمة، ولكنه آثر رضاء المخلوق على رضاء الخالق، فسلط الله عليه الدمار من حيث الأمان، فصار إلى سخط الرحمن.
ولما أيس يحي بن خالد من النجاة من هارون الغوي كان يقول: أغفلنا دعوة المظلومين، وأهملنا الشكر لله، فصرنا عظة للحاسد ورحمة للعدو، ولو كانت النعمة تزيد البقاء ما وصلت إلينا.
فانظر إلى هذا الإقرار مع إغفاله للتوبة، ونسيانه الرجوع إلى الله تعالى والأوبة، وإنما صرفه ما ملأ قلبه من حب الدنيا، والالتفات إليها بكليته حتى أسلمته إلى هلاكه وشقوته.
مخ ۳۳۵