ایمان ابي طالب

إيمان أبي طالب

ایډیټر

مؤسسة البعثة

شمېره چاپونه

الثانية

د چاپ کال

1414 - 1993 م

بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، وصلاته على خيرته من خلقه، محمد وآله، وسلم كثيرا.

وبعد:

أطال الله بقاء الأستاذ الجليل، وأدام له العز والتأييد، والعلو والتمهيد، فإنني مثبت بتوفيق الله عز وجل، وما يهب من التسديد، طرفا من المقال في المعنى الذي كنت أجريت منه جملا بحضرته معاينة، وما في حيزه بيان الطرف والجمل من الدلائل على إيمان أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنه وأرضاه، المقتضبة من مقاله وفعاله، التي لا يمكن دفعها إلا بالعناد، وإن كنت قد أشبعت الكلام في هذا الباب في مواضع من كتبي المصنفات، وأمالي المشهورات (2)،

مخ ۱۷

ليكون ما يحصل به الرسم في هذا المختصر تذكارا، ولما أخبرت عنه بيانا، وفي الغرض الملتمس منه كافيا، وبالله أستعين.

فمن الدليل على إيمان أبي طالب رضي الله عنه ما اشتهر عنه من الولاية لرسول الله صلى الله عليه وآله والمحبة والنصرة، وذلك ظاهر معروف لا يدفعه إلا جاهل، ولا يجحده إلا بهات معاند، وفي معناه يقول رضي الله تعالى عنه في اللامية السائرة المعروفة:

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد وأحببته حب الحبيب المواصل (1) وجدت بنفسي دونه وحميته ودارأت عنه بالذرى والكلاكل (2) فما زال في الدنيا جمالا لأهلها وشينا لمن عادى وزين المحافل (3) حليما رشيدا حازما غير طائش يوالي إله الخلق ليس بما حل (4)

مخ ۱۸

فأيده رب العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل (1) ومن تأمل هذا المدح عرف منه صدق ولاء صاحبه لرسول الله صلى الله عليه وآله، واعترافه بنبوته، وإقراره بحقه فيما أتى به، إذ لا فرق بين أن يقول: محمد نبي صادق، وما دعا إليه حق صحيح واجب، وبين قوله:

فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل وفي هذا البيت إقرار أيضا بالتوحيد صريح (2)، واعتراف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة صحيح (3)، وفي الذي قبله مثل ذلك، حيث يقول

مخ ۱۹

وهو يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الخلق ليس بما حل يعني: ليس بكاذب متقول للمحال.

وما بعد هذا القول المعلوم من أبي طالب رضي الله تعالى عنه المتيقن من قبله طريق إلى التأويل في كفره، إلا وهو طريق إلى التأويل على حمزة وجعفر وغيرهما من وجوه المسلمين، حتى لا يصح إيمان أحدهم وإن أظهر الاقرار بالشهادتين، وبذل جهده في نصرة الرسول صلى الله عليه وآله.

وهو في أمر أبي بكر وعمر وعثمان أقرب (1)، لأنه إن لم يثبت لأبي طالب، وهو مقر به في نثره ونظمه الذي يسير به عنه الركبان، ويطبق على رواياته نقلة الأخبار، ورواة السير والآثار، مع ظهور نصرته للنبي صلى الله عليه وآله، وبذل نفسه وولده وأهله وماله دونه، ورفع الصوت بتصديقه، والحث على اتباعه، كان أولى أن لا يثبت للذين ذكرناهم إيمان، وليس ظهور إقرارهم وشهرته يقارب ظهور إقرار أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ويداني في الوضوح اعترافه بصدقه ونبوته، ولهم مع ذلك من التأخر عن نصره، ومن خذلانه، والفرار عنه ما لا يخفى على ذي حجا (2)، ممن سمع الأخبار وتصفح الآثار وهذا لازم لا فصل منه.

ثم إن أبا طالب رضي الله تعالى عنه يصرح في هذه، لقعيدة بتصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخص ألفاظ التصديق، ينادي بالقسم (3) في نصرته

مخ ۲۰

صلى الله عليه وآله وسلم وبذل المهجة والأهل دونه، حيث يقول:

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل (1) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل يطوف به (2) الهلاك من آل هاشم فهم عنده في عصمة وفواضل إلى حيث قال:

كذبتم وبيت الله نسلم أحمدا ولما نطاعن دونه ونقاتل (3)

مخ ۲۱

ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل (1 و 2) وفي هذه الأبيات أيضا بيان لمن تأملها في صحة ما ذكرناه من إخلاص أبي طالب رضي الله عنه، والولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبذل غاية النصرة له، والشهادة بنبوته وتصديقه حسب ما ذكرناه.

وقد جاءت الأخبار متواترة لا يختلف فيها من أهل النقل اثنان، أن قريشا أمرت بعض السفهاء أن يلقي على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلى (3) الناقة إذا ركع في صلاته، ففعلوا ذلك، وبلغ الحديث أبا طالب، فخرج مسخطا (4) ومعه عبيد له، فأمرهم أن يلقوا السلى عن ظهره صلى الله عليه وآله وسلم ويغسلوه، ثم أمرهم أن يأخذوه فيمروه على سبال (5) القوم، وهم إذ ذاك وجوه قريش، وحلف بالله أن لا يبرح حتى يفعلوا بهم ذاك، فما امتنع أحد منهم عن طاعته، وأذل جماعتهم بذلك وأخزاهم (6).

مخ ۲۲

وفي هذا الحديث دليل على رئاسة أبي طالب على الجماعة، وعظم محله فيهم، وأنه ممن تجب طاعته عندهم، ويجوز أمره فيهم وعليهم، ودلالة على شدة (1) غضبه لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله، وحميته له ولدينه، وترك المداهنة والتقية في حقه، والتصميم لنصرته، والبلوغ في ذلك إلى حيث لم يستطعه أحد قبله، ولا ناله أحد بعده.

وقد أجمع أهل السير أيضا ونقلة الأخبار أن أبا طالب رضي الله عنه لما فقد النبي صلى الله عليه وآله ليلة الاسراء، جمع ولده ومواليه، وسلم إلى كل رجل منهم مدية، وأمرهم أن يباكروا الكعبة، فيجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ممن كان يجلس بفناء الكعبة، وهم يومئذ سادات أهل البطحاء، فإن أصبح ولم يعرف للنبي صلى الله عليه وآله خبرا أو سمع فيه سوءا، أومأ إليهم بقتل القوم، ففعلوا ذلك.

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد مع طلوع الشمس، فلما رآه أبو طالب قام إليه مستبشرا فقبل بين عينيه، وحمد الله عز وجل على سلامته، ثم قال: والله، يا ابن أخي، لو تأخرت عني لما تركت من هؤلاء عينا تطرف. وأومأ إلى الجماعة الجلوس بفناء الكعبة من سادات قريش ذلك.

ثم قال لولده ومواليه: أخرجوا أيديكم من تحت ثيابكم. فلما رأت قريش ذلك انزعجت له، ورجعت على أبي طالب بالعتب

مخ ۲۳

والاستعطاف فلم يحفل بهم (1).

ولم تزل قريش بعد ذلك خائفة من أبي طالب، مشفقة على أنفسها من أذى يلحق النبي صلى الله عليه وآله، وهذا هو النصر الحقيقي نابع عن صدق في الولاية، وبه ثبتت النبوة، وتمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أداء الرسالة، ولولاه ما قامت الدعوة، ومن لم يعرف باعتباره إيمان صاحبه وعظم عناه في الدين، خرج من حد المكلفين.

على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل عزيزا ما كان أبو طالب حيا، ولم يزل به ممنوعا من الأذى، معصوما حتى توفاه الله تعالى، فنبت (2) به مكة، ولم تستقر له فيها دعوة، وأجمع القوم على الفتك به، حتى جاءه الوحي من ربه، فقال له جبرئيل عليه السلام: إن الله عز وجل يقرئك السلام، ويقول لك: اخرج عن مكة فقد مات ناصرك (4).

فخرج عليه السلام: هاربا مستخفيا بخروجه، وبيت أمير المؤمنين بدلا منه على فراشه، فبات موقيا له بنفسه، وسالكا بذلك منهاج أبيه رضي الله عنه في ولايته ونصرته، وبذل النفس دونه.

فكم بين من أسلم نفسه لنبيه، وشراها الله تعالى في طاعة نبيه صلى الله عليه وآله، وبين من حصل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمن وحرز، وهو لا

مخ ۲۴

يملك نفسه جزعا، ولا قلبه هلعا، قد أظهر الحزن، وأبدى الخور (1)، شاكا في خبر الله تعالى، مرتابا بقول رسول الله صلى الله عليه والله وسلم، غير واثق بنصر الله عز وجل، آيسا من روح الله، ضأنا (2) بنفسه عن الشهادة مع نبي الله صلى الله عليه وآله، أم كم بين ما ذكرناه من نصر أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله وقيامه بأمره حتى بلغ دين الله ومسارعته إلى اتباعه ومعاضدته ومؤازرته وبين تأخر غيره عنه واخلائه مع أعدائه عليه ونحره في السفر إلى......... يطعم منه الراحلين معه لسفك دمه حتى إذا ظفره الله تعالى به مقهورا وجئ به إليه أسيرا دعاه إلى الإيمان فلجلج وأمره بفداء نفسه فامتنع، فلما أشرف على دمه أقر وانقاد للفداء ضرورة وأسلم.

إن هذا لعجب في القياس وغفلة خصوم الحق عن فصل ما بين هذه الأمور حتى عموا فيها عن الصواب، وركبوا العصبية والعناد، لأعجب والله نسأل التوفيق.

ومما يؤيد ما ذكرناه من إيمان أبي طالب رضي الله تعالى عنه ويزيده بيانا، أنه لما قبض رحمه الله، آتى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فآذنه بموته فتوجع لذلك النبي صلى الله عليه وآله وقال: " امض يا علي، فتول غسله وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ".

ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، فلما رفعه على

مخ ۲۵

السرير اعترضه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرق له، وقال: " وصلتك رحم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، وآزرت ونصرت كبيرا ".

ثم أقبل على الناس، فقال: " أما والله، لأشفعن لعمي شفاعة يعجب منها أهل الثقلين " (1).

وفي هذا الحديث دليلان على إيمان أبي طالب رضي الله عنه:

أحدهما: أمر رسول الله عليا صلوات الله عليهما وآلهما بغسله وتكفينه دون الحاضرين من أولاده، إذ كان من حضره منهم سوى أمير المؤمنين إذ ذاك على الجاهلية، لأن جعفرا رحمه الله كان يومئذ ببلاد الحبشة، وكان عقيل وطالب حاضرين، وهما يومئذ على خلاف الاسلام، لا يسلم واحد منهما بعد، وأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام مؤمن بالله تعالى ورسوله، فخص المؤمن منهم بولاية أمره، وجعله أحق به منهما، لإيمانه ووفاقه إياه في دينه.

ولو كان أبو طالب رضي الله عنه مات على ما يزعم النواصب كافرا، كان عقيل وطالب أحق بتولية أمره من علي عليه الصلاة والسلام ولما جاز للمسلم من ولده القيام بأمره، لانقطاع العصمة بينهما.

وفي حكم رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه الصلاة والسلام به دونهما وأمره إياه بإجراء أحكام المسلمين عليه من الغسل والتطهير والتحنيط والتكفين والمواراة، شاهد صدق في إيمانه على ما بيناه.

والدليل الآخر: دعاء النبي صلى الله عليه وآله [له] (2) بالخيرات، ووعده

مخ ۲۶