فلما حكمت نفسي، وأصبحت متصرفا مطلقا في استعمال أوقات العطلة أدركت أنني لم أعرف شيئا مع سابق الظن بسعة الاطلاع، فانتهيت إلى حيث كان يجب أن أبتدئ، فعمدت إلى تلك المنظومات، ولم أكن بعد قرأت شيئا منها قراءة صحيحة ما خلا «الفردوس الغابر» لملتن، وقرأت جميع ما وصلت إليه كل كتاب بلغته إذا كنت من قرائها، وإلا فبترجمته إلى لغة أعرفها.
وكنت كلما قرأت منظومة من المنظومات القديمة والحديثة زاد إعجابي بالإلياذة؛ لأنها وإن كانت أقدمهن عهدا، فهي لا تزال أحدثهن رونقا، وأبهرهن رواء وأكثرهن جلاء، وأوسعهن مجالا، وأبلغهن جميعا. نسج صفوة الشعراء على منوالها فلم يبلغوا شأوها، واستقوا من بحرها فملئوا بحارهم، ولم ينقصوها شيئا.
فقلت: ما أحرى لغتنا العربية أن تحرر مثالا من هذه الدرة اليتيمة، فهي أولى بها ممن تناولها من ملل الحضارة، فليس في شعر الإفرنج ولغاتهم ما يوفر لها أسباب البروز بحلة أجمل مما تهيئه معدات لغتنا، فالشعر اليوناني بلغة قريبة إلى الفطرة كلغتنا، والبحث في جاهلية قوم كجاهليتنا، وليس في شعراء ملة من الملل من انطبقت معانيهم على معاني الإلياذة بالحكمة والوصف الشعري كالمتقدمين من شعرائنا.
فناجتني النفس بتعريبها مع علمي بخطورة الموقف، ووعورة المسلك وطول الشقة، وقلت: تلك ملهاة تقضي بها أوقات الفراغ، فإذا فتح الله وفسح في الأجل زففتها إلى القراء، وإلا فلا أقل من أن أروض نفسي بها وهي خير ما تروض به النفوس، وعزمت منذ نظمت أول بيت منها على أن لا أغادرها حتى آتي على آخرها.
تعريب الأصل
فخططت لنفسي خطة، وقلت: لأنظمن منها أمثلة من حيث اتفق لي وأعرضها على الأدباء، فأتنسم ما يكون من وقعها في النفوس، وأتبين مواطن الخلل، فخير لي أن أتبينها قبل التوغل في العمل، فتوكلت على الله وعمدت إلى ترجمة فرنسية منها كانت بين يدي، وألقيتها إلى جانب ترجمة إنكليزية، وأخرى إيطالية، وفتحت الكتاب الفرنسي من ثلثه الأول، فإذا بأخيل وأغاممنون يتخاصمان، وأخيل ينهال على أغاممنون بالسباب والشتيمة، فنظمت الأبيات التي مطلعها:
يا مليكا بنشوة الراح مثقل ...
فعربتها على الطريقة المألوفة في النظم، وكانت أول ما نظمت من الإلياذة. وذلك في أخريات سنة 1887 بمصر القاهرة. ثم فتحت الكتاب من ثلثه الثاني، فإذا بي في معترك عنيف في أول النشيد الخامس عشر فنظمت القصيدة التي مطلعها:
تجاوزت الطرواد حد الخنادق
يصلمهم فيها حسام الأغارق
ناپیژندل شوی مخ