الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
فقالوا: عند ذلك بأن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في الفعل، وحينئذ نسألهم عن هذه المدخلية هل يقولون أنها ثابتة في الفعل بمعنى الكسب كما هو الظاهر؛ لأنه هو الذي يتصف بأنه فعل العبد حقيقة، أو يقولون أنها ثابتة في الفعل بمعنى الإيجاد، والتأثير، والإيقاع، لاسبيل إلى الأول؛ لأنه يستلزم مدخلية الشيء في نفسه؛ ولأنه يستلزم كسب الكسب، ويستلزم غير ذلك من المحالات، ولا إلى الثاني؛ لأن مدخلية الإرادة والقدرة في الإيقاع والتأثير والإيجاد يستلزم تأثيرهما، وإلا فلا مدخلية لهما فيه أصلا، ولنوضح ذلك في حق الإرادة فنقول: أن مدخلية بالقصد والإرادة في إيقاع الفعل وتأثيره وإيجاده لا يتصور بدون أن يكون تخصصه ومرجحه له في الجملة، وهذا هو تأثير الإرادة، فمن نفاه فقد نفى مدخليتها، ومن نفى مدخليتها فقد نفى الكسب بالكلية، وهكذا الكلام في القدرة، ومما يدلك على أنهم نافون للكسب وأنهم نافون للقدرة والإرادة كالجهمية أنهم قد قالوا: أن العبد لو كان موجدا لأفعاله لكان قاصد لها، لكن التالي باطل بزعمهم، فالمقدم مثله، ثم استدلوا على بطلان التالي بما يستلزم لو صح انتفاء قدرة العبد أيضا كما قررناه وكررناه، فالكسب باطل باعترافهم لوعقلوا، وقد ذكرنا اعتراف إمام الحرمين بأن أعمال العباد تحصيل وإيجاد، وكذا الإمام الرازي أي رفع عقيدته بضعف الإعتماد[457]على الكسب، وأشار إلى أنه سراب بقيعة، والمعترض أيضا قد اعترف بمايقتضي ذلك منحيث لا يشعر كما مر، وسيأتي إن شاء الله تعالى مرارا، بل صرح في هذا الكلام بأن الأشكال إنما حصلت بفعل العباد اتفاقا حيث قال: وبالإتفاق أن الأشكال ماحصلت إلا بتشكيلهم...إلخ، وحينئذ فلزوم مقدور بين قادرين من جهة لا من جهتين لازم له لا محالة، اللهم إلا أن يعترف بأن العبد غير قادر أصلا، وأنه لا قادر إلا الله تعالى، وأنه لا فرق بينهم وبين الجهمية وخلص الجبرية، كما هو الحق ؛ لكنه خلاف ما سيأتي له إن شاء الله تعالى من أنهم إنما ينفعون التأثير من قدرة العبد لا وجودها في نفسها، وإنما قلنا أن كلامه هنا كلام من لم يفتهم له مراد جار الله رحمه الله تعالى لما سبق؛ ولأنه قال أيضا خلق الله ما عمله النجار من شكل الكرسي، فلم يعرف أن أولا مراد جار الله بما ذكره من حديث الكرسي والنجارن وأنه إنما أراد أن إطلاق عمل النجار على خشب الكرسي من المجاز المشهور، إلا شك في صحة قولك هذا الكرسي عمل النجار فلان، وهذا الباب من عمل النجار فلان، مع أن النجار لم يوجد بعمله إلا الأشكال لا الخشب، وهو ظاهر.
ولهذا قال السبكي: لاشك في جواز الإطلاق، قال تعالى: {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم} .انتهى. كما حكاه عنه السيوطي يف الإشباه والنظائر النحوية، وسيأتي نقله بلفظه، فقول المعترض من شكل الكرسي ...إلخ، من باب
أريها الشمس وتريني القمر
مخ ۹۷۴