860

وأجاب أي جار الله رحمه الله تعالى بما هو فصل الخطاب في هذا المقام وهو أن المعمول على ما هو الحق ليس شيئا واحدا حتى يلزم توارد العاملين على معمول واحد، والمؤثرين التامين على الأثر الواحد، بل هو شيئان بل أشياء جواهر وأشكال، فتأثير الباري واقع على الجواهر أي أنها حاصلة بتحصيله تعالى فطرا، وابتداعا، وخلقا، واختراعا، وتأثير العباد واقع على الأعراض والأشكال أي أنها حاصلة بتحصيلهم لها، تكيفيا وتصويرا، وحذفا لبعض أجزائها، وتسوية لبعض على الوجه الذي أرادوه هم، لا أنه أراده الله تعالى، كما أشار إليه رحمه الله تعالى، وأتى أولا بقوله تعالى: {الذي فطرهن} إشارة إلى أن أثره تعالى هو هذا المعنى، أعنى أنه تعالى أوجد أحجار لأصنام فطرا، وابتداعا، وخلقا، واختراعا، كما نبهنا عليه هنا، ولو كان المراد من قوله تعالىالذي فطرهن خلق مجموع الجواهر والأعراض التي هي الأشكال الحاصلة بنحتهم وتصويرهم الذي أحدثوه بقدرتهم وإرادتهم لما صح إطلاق الفطر عليها، إذ لايصح أن يطلق لفظ الفطر على ما للعباد فيه دخل؛ لأن أفعال العباد ليست فطرا إجماعا، فإن المجبرة لا ينازعون في أنه يمتنع إطلاق الفطر على الواقع بكسب العباد، ولو كان بخلق الله تعالى كما هو مذهبهم الباطل ، والتشكيل للأصنام واقع بكسب العباد عند أهل هذا المذهب، وقد اعترف المعترض بان الأشكال إنما حصلت بتشكيلهم، وعلى هذا فلا يصح[454]أن يطلق الفطر على المجموع من الجواهر والأشكال، فتبين بهذا أن أخا الأكراد في واد وجار الله في واد، وأنه ما وقع على شيء من من المراد، وظهر للمنصف المميز أن قوله لكنه يلزم أن يكون حاصل المعنى والله خلقكم وخلق من أشكال الأصنام...إلخ، مما ينشد عند جار الله بلسان الحال قول من قال:

أريها الشمس وتريني القمر

فهو لعمري قول من لم يفهم ما أراده جار الله من السؤال والجواب اللذين أوردهما وأرادهما؛ وذلك لأن المعترض لم يتعرض في كلامه لما أشار إليه جار الله من امتناع مقدور بين قادرين، واستحالة كون معمولهم مخولقا لله تعالى، نظرا إلى أن العامل هو موجو العمل كالخالق موجد الخلق، والشيء لا يتعلق به الإيجاد مرتين، والأثر لايكون حاصلا بين مؤثرين تامين اتفاقا بين الفريقين، بل بين سائر العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، كما عرفت ولا فهم مراد جار الله رحمه الله تعالى بذكر قوله تعالى: {الذي فطرهن} فصد عن سواء السبيل، وجهل .........الدليل، وكان على المعترض أن يتعرض لذلك كله، ويبين أن كونهم عاملين للأشكال، وناحتين للأحجار، لايستلزم أن يكونوا محصلين لتلك الصور المخصوصة فيها، وموجدين لها بإرادتهم واختيارهم، ولن يجد إلى بيان ذلك سبيلا.

أما أولا: فلأنه لا دليل على أن العبد يكون عاملا للعمل، ولايكون محصلا له، بل يكون المحصل له غيره، وهو الباري تعالى، والقائل بهذا متقول على أهل العقل واللغة، مفتر عليهم كما ذكرناه.

وأما ثانيا: فلأن المعترض قد اعترف من حيث لايشعر بأن أعمال العباد تحصيل كمامر.

مخ ۹۶۸