820

والثانية: في إرادته تعالى للضلال، ومرجع ذلك إلى قاعدة الحسن والقبحن وهذا صريح مالايأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فليتأول المعترض كيف شاء فالحق قد وضح على رغم أنفه، {لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}، {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين}، {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين}.

قال: فإن قلت كيف تقوم الحجة عليهم في إنكار عبادتهم لما ينحتونه بأنالله خلقهم وخلق عملهم وقد زعم صاحب الكشاف أنك لو قلت والله خلقكم وخلق عملكم لم تكن محتجا عليهم.

قلت: وبالله التوفيق الحجة على هذا التقدير قائمة عليهم ساقيها من غير تزلزل آخذة مخانقهم عند من لم يمنعه حجاب التعصب لمذهبه عن درك الحق وفهمه، وأما على مذهبه وتقديره فالحجة غير قائمة أصلا وإن زعم أنها لاتقوم حجة إلا على مذهبه وبيان ذلك أنه لاشبهة في أنهم ما عبدوا الأصنام التي عملوها بنحتهم أصناما إلا بعد نحتهم إياها وتشكيلها على حسب ما أراده، وكما ينادي عليه قوله تعالى: {أتعبدون ما تنحتون} فكان الداعي لهم إلى عبادتهم غياها من بين سائر الأجسام هو تميزها من بين سائر الأجسام بهذه الأشكال المخصوصة الحاصلة لها بتشكيلهم وعملهم ضرورة، أنه لو كان الجسم بماهو جسم مستحقا عندهم؛ لأن يعيد لما حصوا جسما عن جسم بالعبادة؛ لكنهم قد خصوا فنقول لو كان الأشكال المخصوصة حاصلة بخلقهم وإراداتهم من غير مدخلية لقدرة الله تعالى وإرادته في ذلك كما تقول المعتزلة ومن يحذوا حذوهم كانت الأصنام متميزة من بين سائر الأجسام المخلوقة لله تعالى بشيء لم يكن مخلوقا لله تعالى، وإذا تميزت بذلك اتجه في الأوهام الغالبة على عقول أصحابها إنها تستحق أن تعبد من دون الله محتجة بقياس فاسد مبني على مقدمة وهمية كاذبة شبيهة بمقدمة صحيحة يقينية.

مخ ۹۲۴