728

قال الآمدي في الأحكام: فقد تكون الفائدة راجعة إلى الشاكر في الدنيا، وكون الشكر مشقة لا ينفي حصول فائدة مترتبة عليه كاستمرار الصحة وسلامة الأعضا الباطنة والظاهرة، وزيادة الرزق ودفع القحط إلى غير ذلك مما لا يحصى، بل الغالب أن الفوائد لا تحصل إلا بالمشاق، فقد يكون الشكر سببا شيء من هذه الفوائد على معنى أنه يكون شرطا في حصوله، وأيضا فقد يكون الشيء ضررا ويكون رافعا لضرر زائد منه كقطع اليد المتآكلة، ثم قال: الثاني أن الشكر لله تعالى على نعمه كافة ...بالله تعالى، ثم قال: قوله قيل ينتقض بالوجوب الشرعي إلى أن قال والجواب: إن مذهبنا أنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى إلى أن قال: لكنه قد نص في القياس على أن الاستقراء دال على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد [381] تفضلا وإحسانا، وهذا يقتضي أن الله لا يفعل إلا حكمة، وهذا ينافي المذكور هنا، انتهى، نفي هذا الكلام إشارات إلى ما في كلامهم، وقد أعرب عن التنبيه على سقوط قولهم: إن الشكر لله تعالى على نعمه كأنه استهزاء، اكتفا منه لما ذكره في معنى الشكر، فإنه لا يصح هذا الاستهزاء على ذلك المعنى كما نبهنا عليه أولا، فانظر هذا الخبط في هذه المسألة من هؤلاء الناس، وكم خبطوا في الفائدة، وفيها أيضا قول -أي قول العضد- تبعا لابن الحاجب وغيره، قال أيضا: لاحتمال العقاب على الشكر إما لأنه تصرف في ملك الغير ..إلخ، وهذا قد وقع فيه غير العضد، وابن الحاجب، بل أكثرهم قد أوردوا ذلك، ألا ترى أن البيضاوي جعله صدرا للرد الذي رد به كما مر نقله، وهذا منهم سقوط فاحش لما عرفت من أن الشرع لا يجيء لمناقضة العقل الصرف، وإلا لتهدمت أركانه فإنما استقر على صرف العقل بنيانه، فالشكر مما ثبت بالقضية الصرفة، فكيف يجوز كون الحسن الواجب الصرف قبيحا مستوجبا للعقاب، هذا لعمرك هو الخبط وستعرف قريبا ما على قوله؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وفيها أيضا قوله -أي العضد-: كالاستهزاء، وقد عرفت ما فيه سابقا، وفي المسألة الثانية قوله: حرمة التصرف في ملك الغير ممنوع، فإنه مع ما تسمع فيه من المرواغة لا يتجه في نفسه؛ لأن المعتزلة إنما ادعت حسن الذم لمن اغتصب على غيره شيئا اختص به كثوبه وزاده ونحو ذلك مما يكون الغاصب له في معرض ذم العقلاء لشائبة الأضرار بالمأخوذ عليه، ولما يناله من مسيس الحاجة إليه، والذي تمنعه الشريعة ليس إلا تفاصيل هذا الذي تدركه العقول -أعني أن لبعض الأشخاص ببعض الأشياء اختصاصا بعد المانع لهم عنه في معرض الذم-، وقد اعترف بهذا الرازي والعضد نفسه قد صرح به، وفيها أيضا قوله: ولو سلم، فتعارض بما في المنع من الضرر الناجز ودفعه عن النفس واجب عقلا..إلخ، فإنه خروج فاحش عن أصل المسألة لما عرفت من أن إدراك الضرر الناجز للنفس مستلزم لإدراك جهة الحسن في الفعل وجهة القبح في المنع، وأنه خروج عما هو المفروض من محل النزاع ورجوع إلى الحكم بإدراك العقل لغاية أحكامه، ولما لا ودفع الضرر الناجز واجب بضرورة العقل عند جميع أهل العدل، بل عند جميع العقلاء الخالين عن التعصبات، وأنت قد عرفت ما ذكرناه في وجوب النظر، وستقف على أنه قد تنبه لهذا من تنبه من شراح المختصر، وفيها قوله أيضا: والجواب المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف، وهذا سقوط من مثل العضد، فإنه قال أولا في الجواب على القائلين بالحضر أن حرمة التصرف في ملك الغير ممنوع، وهنا قال في معرض الرد على القائلين بالإباحة: بأنه ملك الغير فيحرم التصرف، فصار العضد يضرب باليدين، ولا يتوجه أن يقال أنه تنزل في كلا المقامين ولا في أحدهما دون الآخر، ثم أن منع المعتزلة للتصرف في ملك الغير ليس إلا على ذلك الوجه الذي عرفته آنفا أي ما كان ذلك الغير في معرض الحاجة والتضرر لا في ملك المالك المطلق، والغني المتقدس على احتمال الضرر وتجويز الاحتياج تعالى الله عن ذلك، فالاعتبارات التي أدركتها العقول [382] في أملاك العباد ومنتفية في حقه عزوجل، وكفاك أن تجويز التضرر واحتمال الاحتياج إلى ما يملكه منتف في حقه تعالى قطعا واتفاقا، وهي من الاعبتارات التي أدركتها العقول في أملاك العباد، بل هي رأس تلك الاعتبارات، ألا ترى أنهم بنوا الحرمة على أن ذلك ظلم، وحقيقة الظلم إنزال الضرر بالغير كما سيأتي، فأين الضرر في حق رب الأرباب، وبهذا بظهر فساد إيراد ابن الحاجب والعضد ومن قلدهما كالمعترض منع التصرف في ملك الغير عقلا، حجة للقائلين بالحضر كفساد احتجاجهم لأهل القول بالإباحة بأنه خلق العبد وما ينتفع به، فالحكمة تقتضي الإباحة، وإلا كان عبثا، وهذا منهم خطأ يعرفه من عرف مذهب المعتزلة من كتبهم لا في كتب خصومهم الذين لا يقومون لهم ميزانا.

مخ ۸۲۱