603

وأما مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات فعند بعضهم النفس، واختاره المصنف -أي الطوسي- وعند بعض الحواس، والدليل على أن مدرك الجميع هو النفس، إما لحكم بين الكلي والجزئي، والحاكم بين الشيئين لا بد أن يدركهما، فالمدرك من الإنسان بجميع الإدراكات شيء واحد، والمدرك للكليات هو النفس، فلا بد أن يكون مدرك الجزئيات أيضا إياها، انتهى، وللسعد في شرح المقاصد قريب من هذه، ومثله ذكر صاحب المحاكمات، وصاحب المواقف، وشارحه السيد المحققق، وليس بعزيز في كلامهم، بل ربما وجدت بعضه في متون الحكمة، فضلا من المبسوطات، ولعل المعترض أنما توهم مما رآه في شرح علي الكوشجي على التجريد أو أن منشأ غلطه ماسمعه عن صدر الشريعة صاحب التنقيح من أن مناط التكليف هو العقل بالملكه الذي هو عبارة عن المرتبة الثانية من مراتب القوة المعبر عنها بالعقل النظري كما مر، ولعله جهل من المعترض بكلام الصدر فأنه لا يمنع أن المدرك للحقائق هو مناط التكليف ولا يمنع أن المدرك للكليات في البدن ليس هو إثنين أصلا، وإنما حاصل مراده أن النفس مهما لم تكن مستعدة لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات لها لم يصح التكليف وهو كلام لا يكاد يجري فيه خلاف، ولهذا قال سعد الدين في المطول في الفصل والوصل: إن العقل هو القوة العاقلة المدركة للكليات، فاطلق عليه اسم القوة نظرا إلى ما ذكرناه أولا، فكلام ابن صدر الشريعة لا يخالف ما ذكروه، وعلى فرض مخالفته لهم لا يوجب القدح من المعترض على المؤلف، والتحجج بأن مناط التكليف من قوى النفس لا هي، بل غايته أن يكون مذهبا من المذاهب في مناط التكليف، ثم نقول: لا يخلو إما أن تريد أيها المعترض بقولك: من قوى النفس الناطقة لا نفسها، أن ذلك على مذهب المتكلمين، وعلى طريقة للفلاسفة، لا سبيل إلى الأول؛ لأن القول بالقوى التي ذكرها الفلاسفة مما لا يجري على القواعد الإسلامية، وقد اعترف بذلك السعد في شرح العقائدة وشرح المقاصد، وأشار إليه من العلماء غير واحد، ولم يكون كذلك وهو مبني على أصل فاسد يلزم أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي، ولا إلى الثاني؛ لأن الفلاسفة الإسلاميين مصرحون تبعا لأوائلهم بأن النفس هي المدركة، وإنما نسبة الإدراك إلى تلك القوة كنسبة القطع إلى السكين كما تكرر ذكره.

مخ ۶۷۱