الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
هذا وإنما امتنعت الواسطة بين النقيضين وغيرهما من المتقابلان لأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ولهذا أثبت الاستدلال به في المنطق وسموا ما يقصد إثبات المطلوب بإبطال نقيضه ببرهان الخلف وذلك لأنه إذا ارتفع أحد النقيضين ثبت الآخر كما مرت إشارة إليه فعدم الارتفاع والاجتماع لا يوجد في غيرهما من سائر المتقابلات إذ المتقابلات تقابل التضاد قد يكذبان معا بسبب عدم المحل أو خلوه عنهما وكذا المتقابلان تقابل العدم والملكة قد يكذبان معا بعدم الموضوع أو بعدم استعداده للملكة كما في العلم المقابل للجهل والمتضايقان قد يكذبان معا بخلو المحل عنهما أيضا، فالأشعري أثبت واسطة بين النقيضين واعتمد على مجرد الاصطلاح، وقد أذكرني هذا حكاية مضحكة وهي أن بعض الظرفاء استشفع ببعض الأكابر إلى بعض الخلفاء وكان الشفيع لا يريد التعرض للشفاعة له فأكرهه على ذلك، فكتب له رقعة وختمها وأودعها ما يقضي بحرمانه، فارتاب [695] المستشفع لختمها ولكثرة ما شاهده من امتناعه أولا عن الشفاعة ففك ختمها فإذا فيها: إذا أتاك فلان برقعتي هذه فاجعل الخيبة مأواه والحرمان مثواه فإنه غير أهل للنوال إلى آخر ما قال، فلما رآها هكذاعلم أنه أصاب سمهمه المقرطس وحمد نفسه في فتح هذه الرقعة التي هي أخت صحيفة الملتمس، ثم رجع إليه وقال له: ما حملك على ما صنعت في الرقعة، فقال: ذلك اصطلاح اصطلحنا عليه أنا والمكتوب إليه، فإذا أردنا نفع أحد وبره كان الخطاب كما رأيته في الرقعة، فقال له: قطع الله يديك وقلع عينيك إلى آخر ما دعى عليه، فقال له: ما حملك على هذا، فقال: هو اصطلاح اصطلحت عليه مع ربي تعالى، فإني إذا أردت الدعاء لأحد وطلب بره منه عز وجل كان دعاي هكذا. انتهى كما حكي، وهذا الذي وقع من المستشفع من الدعاء والجواب نهاية في الحذاقة لأنه يتضمن أن الاصطلاح إن كان له دخل في قلب الحقائق ومعاكسة العقول جاز أن الدعاء بالشر ينقلب دعاء بالخير نظرا إلى الاصطلاح لكنه لا يكون كذلك قطعا فلا يكون للاصطلاح دخل في قلب الحقائق ومعاكسة العقول والأمر كذلك فيما نحن فيه من اصطلاح الأشعري وهو ظاهر.
قوله: يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، قد أورد على عكسه وعلى طرده وأجيب وعورض ورد ونوقض، ومن أعطى النظر حقه ولم يبق معه شك في فساد هذا القول ولولا خوف الإطالة لأوردت ما وقفت عليه وأرد فيه بما انتهى نظري إليه لكن من أراد أن يحيط بطرف مما ادعيته فليراجع شرح المواقف وشرح سعد الدين على العقائد النسفية وحواشيه للكمال الخياني والكمال الشريفي وأحمد حنه وشرح العقائد العضدية للفاضل الدواني وغيرها من كتب المتأخرين كشرح اللقاني على الجوهرة وقد أورد المعترض من ذلك ما يقدر على دفعه، ولا بد لنا من الكلام عليه بما التزمناه من الوفاء بحق الغيرة على الحقائق من التحريف والإعان بالله اللطيف الخبير.
مخ ۱۴۶۳