1254

وقوله: لا يؤمر ولا ينهى. حق بلا شك وذلك لأن الأمر طلب للفعل، والنهي طلب للكف، وكيف يطلبان ممن لا قدرة له أصلا لأن طلب الفعل والكف ليس معناه إلا طلب إيجادهما كما مر، وقد أقرت بهذه الأشاعرة من حيث لا يشعرون تارة ومن حيث يشعرون تارة أخرى، فإن كثيرا منهم قد قالوا: إن الأصح والمعتمد في الأمر أنه لطلب الماهية لا للتكرار ولا لمرة وإنما المرة ضرورية إذ لا توجد الماهية إلا بها، فهاهم قد عللوا كون المرة ضرورية يكون الماهية لا توجد إلا بها وهو اعتراف بأن المطلوب هو وجود الماهية وإيجادها وتحصيلها من المأمور، فإذا لا يكون إلا قادرا على إيجادها متمكنا منه باعترافهم كما تراه، بل قد صرح كثير منهم بأن المطلوب من العبد في الأمر هو تحصيل الماهية وفي النهي هو تحصيل الكف عنها وممن صرح بذلك القاضي زكريا في شرح اللب ومن تتبع كلامهم في كتبهم اتضح عنده ما ذكرناه وعلم اضطراب مذاهبهم وتلون أقوالهم فاجتهد في نصح نفسك وعامل عالم الغيب والشهادة.

ثم إنك إذا حققت [660] النظر هنا علمت أن المعترض معترف ببطلان مذهبهم وصحة مذهب خصومهم وذلك لأنه اعترف بحمد الله بأن من لا قدرة له ولا إرادة أصلا لا يؤمر ولا ينهى، ثم صرح بأن الأمر والنهي دالان على القدرة والإرادة.

وأنت خبير بأن الأول اعتراف بالحسن والقبح عقلا، والثاني اعتراف بأن العبد موجد لأفعاله الاختيارية التي كلف بها وطولب بفعلها أمرا ونهيا وذلك لأن دلالتهما على القدرة والإرادة ليست إلا بالنظر إلى الإيجاد والتأثير في المطلوب وإلا فلا دلالة على القدرة والإرادة، فإنا لو فرضنا أن المصحح للأمر والنهي هو كون العبد محلا للفعل كما هو معنى الكسب لم يصح قولنا إن الأمر والنهي دالان على القدرة والإرادة كما اعترف به المعترض، فاعترافه به وبما رتبه عليه من قوله: إن من لا قدرة له ولا إرادة لا يؤمر ولا ينهى، اعتراف بالمطلوب.

مخ ۱۳۸۸