اعتقاد قادري

الاعتقاد القادري

ایډیټر

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

خپرندوی

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها،ج ١٨،ع ٣٩

د خپرونکي ځای

ذو الحجة ١٤٢٧ هـ

سیمې
عراق
•
سلطنتونه او پېرونه
سلجوقيان
الاعتقاد القادري دراسة وتعليق
إعداد
د. عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
يهدف هذا البحث إلى إبراز جهود الخليفة العباسي القادر بالله (ت ٤٢٢هـ) في سبيل إظهار الإسلام وإقامة السنة.
فالفصل الأول يتحدث عن نبذة موجزة عن سيرة القادر بالله، ثم يعرض جهوده في إقامة الإسلام والسنة، كإظهار الشروط العمرية، وإظهار مذهب أهل السنة واستتابة المبتدعة، وجهوده ضد الباطنية.
ويتحدث الفصل الثاني عن الاعتقاد القادري، من جهة التحقيق في مؤلفه، ومناسبة تصنيفه، وكذا التحقيق في متن الاعتقاد القادري، والتعليق عليه، وما يتضمنه من مزايا، ما أعقب تدوينه من ثمرات وآثار، ويسبق هذين الفصلين تمهيدٌ يحوي أمثلة من جهود خلفاء بني العباس في إظهار الإسلام والسنة، كما يلحقه خاتمة تتضمن نتائج البحث..

ناپیژندل شوی مخ

مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد: تميّزت سيرة الخليفة العباسي القادر بالله ﵀ بمزايا ومواقف رائعة تقتضي البحث والتصنيف، فقد أظهر الإسلام وأقام السنة، فألزم أهل الذمة الشروط العمرية، وهتك أستار الباطنية، وطعن في نسب العبيديين، وذلك في وقت استفحل شأنهم وكثر دعاتهم، كما استتاب المبتدعة وقمعهم، وانتصر لأهل السنة.
ومن مآثره أنه كتب الاعتقاد القادري، وهو اعتقاد يستحق الدراسة والتأليف لجملة أمور منها:-
(أن هذا الاعتقاد على طريقة أهل السنة والجماعة، وقد أثنى عليه أئمة من أهل السنة كابن تيمية والذهبي وابن كثير وغيرهم.
(أن لهذا الاعتقاد أثره الإيجابي ونفعه المتعدي في إظهار مذهب أهل السنة ومدافعة أهل البدعة، بل إن آثاره لم تقف عند بلد معيّن أو عصر محدد - كما سيأتي مفصّلًا -
(يحتاج هذا الاعتقاد إلى تحقيق في مؤلفه، فمن قائل أن مؤلفه الخليفة القادر بالله، ومن قائل أن مؤلفه أبو أحمد الكرجي..
(كما أن متن الاعتقاد يحتاج إلى تحرير، فإن من أهل العلم من يقول: إنه طويل، مع أن المثبت منه لا يزيد عن بضع صفحات.
(أن للاعتقاد القادري مزايا كثيرة ومهمة، قلما تجتمع في أكثر المتون، وهي مزايا تستحق الإظهار والبيان.
فلعل هذا البحث القاصر يحقق ما آمله وأرجوه، والله المستعان وعليه التكلان.

1 / 226

خطة البحث
تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد وفصلين وخاتمة.
المقدمة: وتتضمن أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
التمهيد: نبذة موجزة عن جهود خلفاء بني العباس في إظهار الإسلام والسنة.
الفصل الأول: الخليفة القادر بالله وجهوده في إظهار الإسلام والسنة وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: نبذة موجزة عن سيرة الخليفة القادر بالله.
المبحث الثاني: إظهاره الشروط العمرية.
المبحث الثالث: إظهاره مذهب أهل السنة واستتابة المبتدعة.
المبحث الرابع: جهوده تجاه الباطنية.
الفصل الثاني: الاعتقاد القادري.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التحقيق في مؤلف الاعتقاد، ومناسبة تأليفه.
المبحث الثاني: متن الاعتقاد القادري.
المبحث الثالث: مزايا الاعتقاد القادري.
المبحث الرابع: آثار الاعتقاد القادري.
خاتمة: تتضمن نتائج البحث.

1 / 227

التمهيد: نبذة موجزة عن جهود خلفاء بني العباس في إظهار الإسلام السنة
يحوي هذا التمهيد أمثلة مختارة من خلفاء بني العباس الذين لهم جهود متميزة في سبيل إظهار السنة وإقامة دين الله تعالى، وسيكون الحديث عن ذلك على النحو الآتي:
المهدي:-
وصفه الذهبي (١) بقوله: "إنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِق عليهم. (٢) "
ومن جهوده في نصر الإسلام والسنة، أنه منع الناس من الكلام والخوض فيه (٣) .
وأهمّ الخليفة المهدي (٤) أمر الزنادقة، فجدّ في طلبهم، وتتبعهم في سائر الآفاق، واستحضرهم، وقتلهم صبرًا بين يديه (٥) .
كما أوصى المهدي بنيه باستئصال الزنادقة (٦)، فقال لابنه موسى (الهادي): "يا بني، إن صار لك هذا الأمر، فتجرّد لهذه العصابة - يعني أصحاب ماني- فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم، وترك قتل الهوام تحرّجًا، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين، أحدهما: النور، والآخر: الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات ...
فارفع فيها الخشب، وجرّد فيها السيف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شريك له. (٧) "
وقد أثنى شيخ لإسلام ابن تيمية (٨) على المهدي؛ لما حصل في عهده من إظهار الإسلام والسنة، وقمع الكفر والبدعة.
يقول ابن تيمية: " تجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها وأظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي والرشيد ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل، فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله.

(١) . هو أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي، الإمام، الحافظ، المؤرخ، ولد سنة ٦٧٣هـ بدمشق، له رحلات في طلب العلم، وصاحب مؤلفات كثيرة، توفي بدمشق سنة ٧٤٨هـ.
انظر: طبقات الشافعية ٩/١٠٠، والبدر الطالع ٢/١١٠.
(٢) . سير إعلام النبلاء ٧/٤٠٣، وانظر: تاريخ الإسلام ١٠/٤٤٤.
(٣) . انظر: المرجع السابق، ٧/٤٠٠، وتاريخ الإسلام ١٠/٤٣٩.
(٤) . هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور، ولد سنة ١٢٧هـ بأرض فارس، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه، فردّ المظالم، وأحسن إلى الرعية، وقتل الزنادقة، وتوفي سنة ١٦٩هـ.
انظر: تاريخ بغداد ٥/٣٩١، وسير أعلام النبلاء ٧/٤٠٠.
(٥) . انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٨/١٦٧، المنتظم لابن الجوزي ٨/٢٨٧، والبداية لابن كثير ١٠/١٤٩.
(٦) . الزندقة: لفظ أعجمي معرب، أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام، ويطلق الزنديق على كل من: المجوسي، الدهري، والمنافق والجهمي.
انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي صـ ٣١، والسبعينية لابن تيمية صـ ٣٣٨، وفتح الباري ١٢/٢٧١.
(٧) . تاريخ الطبري ٨/٢٢٠ = باختصار، وانظر: تاريخ الاسلام للذهبي ١٠/٤٤٤.
(٨) . هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني، الإمام الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ، المفسر، الأصولي، الزاهد، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أفتى ودرّس وهو دون العشرين، وله مئات التصانيف، توفي سنة ٧٢٨هـ.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٢٨٧، والعقود الدرية لابن عبد الهادي.

1 / 228

- إلى أن قال- وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجودًا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة. (١) ".
ومن مناقب المهدي أيضًا: أنه ردّ المظالم (٢)، وأطلق خلقًا كثيرًا من السجن.
لقد أصلح الله تعالى المهدي دين هذه الأمة، فحقق نصرًا للإسلام بقتل الزنادقة، كما حقق ظهورًا للسنة بمنعه الكلام وبغضه أهل الأهواء.
كما جرى على يديه صلاح لدنيا الأمة من خلال إحسانه للرعية والرحمة بهم..
الرشيد:-
قال ابن كثير في وصفه: "فضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدًا، قد ذكر الأئمة من ذلك شيئًا كثيرًا، وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري، وقالوا: فلما مات الرشيد، وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك (٣) ."
لقد كان الرشيد (٤) ﵀ على طريقة أهل السنة من التعظيم والتسليم لسنة رسول الله ﷺ، كما هو واضح جلي في تلك الحكاية التي ساقها شيخ الإسلام الصابوني بسنده أن أبا معاوية الضرير حدّث هارون الرشيد بحديث أبي هريرة " احتج آدم وموسى.. (٥) "
فقال أحد الحاضرين: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما! فوثب به هارون، وقال: يحدثك عن رسول الله ﷺ، وتعارضه بكيف (٦)
وفي رواية أخرى: " أن الرشيد غضب من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه، يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبره من ألقى إليه هذا، فأقسم ذلك الرجل بالأيْمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة منه، وأنه يستغفر الله

(١) . نقض المنطق صـ ١٨، ١٩ = باختصار
(٢) . انظر: تاريخ بغداد للخطيب ٥/٣٩٣.
(٣) . البداية ١٠/٢٢١.
(٤) . هو أبو جعفر هارون بن المهدي بن المنصور، ولد بالري سنة ١٤٨هـ، كان أن أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حج وجهاد، وشجاعة ورأي، ومحاسنه كثيرة، وله أخبار شائعة في اللهو، توفي سنة ٢٥٤هـ.
انظر: سيرة أعلام النبلاء ٩/٢٨٦، تاريخ بغداد ١٤/٥.
(٥) . أخرجه البخاري، ك القدر ح (٦٦١٤)، مسلم، ك القدر ح (٢٦٥٢) .
(٦) . أخرجه الصابوني في عقيدة السلف صـ ٣٢٠.

1 / 229

ويتوب إليها منها، فأطلقه (١) ."
وقال الصابوني (٢) - بعد إيراده القصة -:- هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ، ويقابله بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف، على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول.. (٣) "
كما عرف الرشيد بكراهيته للمراء والكلام والجدال (٤)، وكان يقول عن المراء في الدين: "إنه لخليق أن لا ينتج خيرًا، وبالحرى ألا يكون فيه ثواب. (٥) "
إضافة إلى ذلك فقد أثنى عليه الأئمة، -كابن تيمية والذهبي ونحوهما- بكثرة الحج والغزو والجهاد في سبيل الله تعالى (٦) .
ومن قيامة بدين الله تعالى أنه أمر بهدم ما استحدث من الكنائس في مصر والعراق امتثالًا للأدلة الشرعية (٧) .
لاسيما وأن أبا يوسف ﵀ قد أوصاه بهدم ما أحدث من بيعة أو كنيسة، كما جاء في كتاب الخراج، والذي ألّفه أبو يوسف استجابة لطلب الرشيد (٨) .
المتوكل:
اشتهر المتوكل (٩) بإظهار السنة وإخماد البدعة، وإقامة شرع الله تعالى في أهل الذمة، كما أنه قتل من ارتد عن دين الله ﷿.
يقول الحافظ ابن كثير:
"لما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبًا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن.. (١٠) "
وقال أيضا: "كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكف عن

(١) . البداية لابن كثير ١٠/٢١٥ = باختصار يسير.
(٢) . إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني الشافعي، محدث، فقيه، مفسر، واعظ، نصر السنة في خراسان، ولقِّب شيخ الإسلام، توفي سنة ٤٤٩هـ.
انظر: طبقات الشافعية ٤/٢٧١، وسير أعلام النبلاء ١٨/٤٠.
(٣) . عقيدة السلف وأصحاب الحديث صـ ٣٢١.
(٤) . انظر: تاريخ الطبري ٨/٣٤٧، وتاريخ بغداد ١٤/٧، وسير أعلام النبلاء، ٩/٢٨٧، وتاريخ الإسلام ١٣/٤٢٦.
(٥) . تاريخ الطبري ٨/٣٤٧، وتاريخ بغداد ١٤/٧.
(٦) . انظر: نقض المنطق صـ ١٩، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٨٧.
(٧) . انظر: جامع المسائل لابن تيمية ٣/٣٧٠، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ٢/٦٧٥.
(٨) . انظر: كتاب الخراج لأبي يوسف صـ ٢٩٤، ٢٩٥.
(٩) . هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، ولد سنة ٢٠٥هـ، ولي الخلافة بعد أخيه الواثق، فأظهر السنة وقمع البدعة، قتل سنة ٢٤٧هـ.
انظر: تاريخ بغداد ٧/١٦٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٠.
(١٠) . البداية ١٠/٣٣٧، وانظر: ١٠/٣٥١، وسير أعلام البنلاء ١٢/٣١.

1 / 230

القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت، وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل.. وارتفعت السنة جدًا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحدًا إلا بعد مشورة الإمام أحمد.. (١) "
لقد أظهر المتوكل السنة ونشر الحديث، فأمر الفقهاء والمحدثين أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية والصفات. (٢)
وساق الخطيب البغدادي بسنده أن إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة يقول: "والخلفاء ثلاثة أبو بكر الصدّيق، قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز ردّ مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدعة وأظهر السنة. (٣) "
وأما عن إقامته شرع الله تعالى في أهل الذمة، فيتمثّل ذلك بإلزامهم الشروط العُمرية، وهدم ما استحدثوا من الكنائس.
ولذا قال ابن تيمية: "وكان في أيام المتوكل قد عزّ الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار. (٤) "
ولما ألزم المتوكل أهل الكتاب بشروط عمر الفاروق ﵁، استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق. (٥)
وقد بسط ذلك ابن كثير في تاريخه، فكان مما قاله:-
"أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم.. وأن لا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة.. وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق. (٦) "
ومن محامد المتوكل أنه صادر أموال أحمد بن أبي داود، وسجن أصحابه، وأطلق من

(١) . البداية ١٠/٣١٦ = باختصار
(٢) . انظر: المنتظم ١١/٢٠٧، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٤.
(٣) . تاريخ بغداد ٧/١٧٠، وانظر: المنتظم ١١/١٧٠.
(٤) . نقض المنطق صـ ٢٠.
(٥) . انظر: جامع المسائل لابن تيمية ٣/٢٧٠، وأحكام أهل الذمة ٢/٦٩١، ٦٩٣، ٧٠٠.
(٦) . البداية ١٠/٣١٣، ٣١٤ = باختصار، وانظر: تاريخ الطبري ٩/١٩٦، والكامل لابن الأثير ٧/٥٢، والمنتظم ١١/٢٢٢، ٢٣٨، ٢٦٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٤.

1 / 231

كان حبسه الواثق ممن امتنع من القول بخلق القرآن، كما أمر بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه (١) .
كما أمر المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان بغداد؛ لأنه شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃، فضُرب بالسياط حتى هلك، ثم رمي به في نهر دجلة. (٢) .
وقتل المتوكل رجلًا كان نصرانيًا فأسلم، ومكث سنين كثيرة، ثم ارتد فاستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضربت عنقه (٣) .
ولما ظهر شخص يزعم أنه ذو القرنين ويدّعي النبوة، أمر المتوكل بضربه بالسياط، فضرب ضربًا شديدًا، فمات من بعد ضربه ذلك (٤) .
ولما توفي المتوكل، رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل له: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها (٥) .
وبالنظر في جهود هؤلاء الخلفاء الثلاثة (المهدي والرشيد والمتوكل) نلحظ أنها جهود ظاهرة قوية، ومساعي جليلة في سبيل الإسلام والسنة، ومع أن خلفاء بني العبّاس المتأخرين لهم جهودهم في هذا المجال، إلا أنها لا تبلغ درجة أولئك الخلفاء السابقين في العصر العباسي الأول.
فالمعتضد (٦) مثلًا يُحمد على ما قام به إزالة سنة المجوس، وإبطال ما يُفعل في عيد النيروز من إيقاد النار، وصب الماء على الناس (٧) .
كما نهى الطرقية والمنجمين ونحوهم من الجلوس في المساجد والطرقات، ونهى عن بيع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس (٨) .
وأما المقتدي بأمر الله (٩)
فقد أحسن بإحيائه شعيرة الأمر بالمعروف في جميع البلدان، وإلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد (١٠) .
وكذا الخليفة المستضيئ بأمر الله (١١) "كان من خيار الخلفاء، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، مزيلًا عن الناس المكوسات والضرائب، ومبطلًا للبدع والمصائب. (١٢) "

(١) . انظر: المنتظم ١١/٢٥١، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٦، والبداية لابن كثير ١٠/٣١٦.
(٢) . انظر: تاريخ الطبري ٩/٢٠١، والمنتظم ١١/٢٨٣، والبداية ١٠/٣٢٣.
(٣) . انظر: تاريخ الطبري ٩/٢٠٧، والمنتظم ١١/٢٩٦.
(٤) . انظر: تاريخ الطبري ٩/١٧٥، والكامل ٧/٥٠، والمنتظم ١١/٢٢٣، والبداية ١٠/٣١٤.
(٥) . انظر: تاريخ بغداد ٧/١٧٠، ١٧١، والبداية ١٠/٣٥١.
(٦) . هو أبو العباس أحمد بن الموفق بالله بن المتوكل، ولد سنة ٢٤٢هـ، كان ملكًا مهيبًا شجاعًا، حارب الزنج ونشر العدل، توفي سنة ٢٨٩هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٤٦٣، وتاريخ بغداد ٤/٤٠٣.
(٧) . انظر: تاريخ الطبري ١٠/٣٩، ٥٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢١/٧.
(٨) . انظر: المنتظم ١٢/٣٠٥، والبداية ١١/٦٤.
(٩) . هو أبو القاسم عبيد الله بن ذخيرة الدين بن القائم بأمر الله بن القادر بأمر الله، كان حسن السيرة فقد أزال المنكرات، توفي سنة ٤٧٨هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٣١٨، وشذرات الذهب ٣/٣٨٠.
(١٠) . انظر: المنتظم ١٦/١٦٦، والكامل ١٠/٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٨/٣١٨، وابن كثير ١٢/١٣٧.
(١١) . هو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفي، ولد سنة ٥٣٦هـ، وولي الخلافة سنة ٥٦٦هـ، كان من خيار الخلفاء، وكان عادلًا كريمًا، توفي سنة ٥٧٥هـ.
انظر: البداية ١٢/٣٠٤، شذرات الذهب ٤/٢٥١.
(١٢) . البداية لابن كثير ١٢/٣٠٤.

1 / 232

وكان المستضيئ حريصًا على حضور مجالس ابن الجوزي ومواعظه (١)، كما أمر المستضيئ بتقوية ابن الجوزي وتأييده من أجل إزالة الرفض (٢) .
بعد هذه النبذة الموجزة عن جهود خلفاء بني العباس في إظهار الإسلام والسنة، فيمكن التساؤل: أين تقع جهود الخليفة القادر بالله؟ هل تلحقه بالخلفاء المتقدمين أم المتأخرين؟
هذا ما سيتضح جوابه في الفصل الآتي.
الفصل الأول: الخليفة القادر بالله وجهوده في إظهار الإسلام والسنة
المبحث الأول: نبذة موجزة عن سيرة الخليفة القادر الله
هو أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المقتدر ابن الخليفة المعتضد ابن الأمير طلحة ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المعتصم ابن الخليفة هارون المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور الهاشمي العباسي البغدادي.
ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مائة (٣) .
كان أبيض حسن الوجه، كثّ اللحية، يخضب (٤)، "وكان من الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه، وعرف بها عند كل أحد (٥) ."
ووصفه بعض المؤرخين قائلا: "كان امرءًا صالحًا ورعًا تقيًا، حسن الخليقة، جميل الطريقة، طلق النفس، كثير المعروف (٦) ."
وقال آخر: " كان عابدًا زاهدًا، يصحب العلماء، ولا يدخر شيئًا، ومكرمًا للحديث وأهله (٧) ."
وأما عن خلافته فقد ولي الخلافة سنة ٣٨١هـ، إلى أن توفي سنة ٤٢٢هـ، عن ست وثمانين عامًا، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله ولا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى وأربعين سنة، وهذا ما لم يسبقه أحد إليه (٨) .

(١) . انظر: المنتظم ١٨/٢١٨، ٢١٩، ٢٢١، ٢٢٦، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٥، ٢٣٨، ٢٤٨، ٢٥٠.
(٢) . انظر: المنتظم ١٨/٢٢٢، والفروع لابن مفلح ٦/١١٠.
(٣) . انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٧، وطبقات الشافعية للأسنوي ٢/٣١٠، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٤/٢٧٥.
(٤) . انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٧، والكامل ٩/٤١٥، وطبقات السبكي ٢/٣١١.
(٥) . تاريخ بغداد ٤/٣٧، وانظر: خلاصة الذهب للأربلي صـ ٢٦١، وسير أعلام النبلاء ١٥/١٢٧.
(٦) . أخبار الدول المنقطعة لعلي بن ظافر الحلبي صـ ٢٥٦، وانظر: البداية ١٢/٣١.
(٧) . مختصر تاريخ الخلفاء لمغلطاي البكجري صـ ١٤٢.
(٨) . انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٨، والمنتظم ١٥/٢٢٠، وطبقات ابن الصلاح ١/٣٢٥، والوافي بالوفيات ٦/٢٤٠، والبداية ١١/٣٠٨، ١٢/١٣.

1 / 233

وكان القادر من خيار الخلفاء، حيث أظهر الإسلام والسنة - كما سيأتي مفصلًا في موضعه- وأقام العدل، وفي هذا المقام يقول ابن الأثير: "وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما وليها القادر بالله أعاد جدّتها، وجدّد ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق، فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها (١) ."
وساق الصفدي حكاية طريفة تجلي حسن سياسة القادر ورفقه بالرعية، حيث قال الصفدي:-
"بينما القادر ذات ليلة يمشي في أسواق بغداد، إذا سمع شخصًا يقول لآخر: قد طالت علينا دولة هذا الشؤم، وليس لأحد عنده نصيب، فأمر خادمًا كان معه أن يتوكل به، ويُحضره بين يديه فما شك أن يبطش، فسأله عن صنعته، فقال: إني كنت من السُعاة الذين يستعين بهم أرباب هذا الأمر على معرفة أحوال الناس - يريد أصحاب المطالعات- فمنذ ولي أمير المؤمنين أقصانا، وأظهر الاستغناء عنّا، فتعاطلت معيشتنا، وانكسر جاهنا عند الناس، فقال له: أتعرف من في بغداد من السعاة؟ قال: نعم، فأحضر كاتبًا فكتب أسماءهم، وأمر بإحضارهم، ثم إنه أجرى لكل واحد منهم معلومًا، ونفاهم إلى الثغور القاصية ورتّبهم هناك عيونًا على أعداء الدين، ثم التفت إلى من حوله وقال: اعلموا أن أولئك ركّب الله فيهم شرًا، وملأ صدورهم حقدًا على العالم، ولا بدّ لهم من إفراغ ذلك الشر، فالأولى أن يكون ذلك في أعداء الدين، ولا ننغِّص بهم على المسلمين (٢) ."
فيلحظ الناظر إلى هذه الحكاية ما عليه القادر بالله من تفقد أحوال الرعية، وتجاوز عثراتهم، والإشفاق عليهم، حيث أجرى لأولئك القوم العطاء، كما يلحظ حسن تدبيره وسياسته إذا صرف هؤلاء القوم - أرباب المطالعات والتجسس - إلى ما هو أنفع فجعلهم عيونًا على أعداء الدين.
ومما يجدر ذكره أن القادر بالله يعدّ من أهل العلم وساداتهم، حتى أن ابن الصلاح عدّه من فقهاء الشافعية، وأنه من خيار خلفاء بني العباس وأحبارهم (٣) .

(١) . الكامل ٩/٤١٥، وانظر: ٩/٨١.
(٢) . الوافي بالوفيات ٦/٢٤١.
(٣) . انظر: طبقات الشافعية لابن الصلاح ١/٣٢٤، والبداية ١١/٣٠٩، وتاريخ الخلفاء للسيوطي صـ ٤٩١.

1 / 234