Ibn Hazm: His Life, Era, Views, and Jurisprudence
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
خپرندوی
دار الفكر العربي
د خپرونکي ځای
القاهرة
وإن هذا الخبر يتضمن الدلالة على أنه لم يعش في فقر حتى سنة ٤٤٠، وإلا ذكر حال الفقر الذي آل إليه، ولم يذكر منابر الذهب التي يطالع عليها، وأن أكثر مطالعاته حتى الساعة التي قال فيها ذلك القول كانت على تلك المنابر، ويدل هذا الخبر على أمر آخر يكشف عن مقدار إدراك ابن حزم لأحوال النفوس، فإنه بينما يرى الباجي أن توافر المال يسهل العلم، يرى ابن حزم أن كثرة المال وطيب العيش تسد مسالك العلم إلى النفوس فلا تتجه إلى العلم، فإن الجدة قد تسهل اللهو، وتفتح بابه، وإذا انفتح باب اللهو سد باب النور والمعرفة، فلذائذ الحياة وكثرتها تطمس نور القلب، وتعمى البصيرة، وتذهب بحدة الإدراك.
أما الفقير وإن شغله طلب القوت فقد سدت عليه أبواب اللهو فأشرقت النفس، وانبثق نور الهداية. هذا نظر ابن حزم. أما نظر الباجي فإنه متجه إلى الأسباب المادية من حيث تسهيل الحياة المادية من غير نظر إلى الأسباب النفسية التي تتضمن أن الغنى يكون في كثير من الأحوال معه الانصراف عن العلم إلى اللهو، وقد توفرت ذرائعه.
٦٤ - وإن ابن حزم في هذا يشبه أبا حنيفة رضي الله عنه، مع فارق بينهما في أسباب الرزق فأبو حنيفة رضي الله عنه كان رجلاً غنياً بتجارته وكان يفيض بكثير من أرباح هذه التجارة على الفقهاء وأهل الحديث بالكوفة، وابن حزم كان غنياً مال أسرته الذي خلفته له، وهو ضيعات ودور، وقد كانت الضيعات تدر عليه موفور الرزق، وأسباب العيش، وأبو حنيفة لهذه الثروة التي كانت تدر عليه الدر الوفير لم يأخذ عطايا الأمراء ولا الخلفاء، لأن الله سبحانه وتعالى أغناه من سعته فلا يحتاج إلى أحد منهم، وكذلك ابن حزم فإنه لم يأخذ عطايا الأمراء الذين عاصروه ولكن اختلف السبب كما اختلف سبب الامتناع، فأبو حنيفة امتنع لعدم حاجته، ولأنه ما كان يوالى بني العباس من ذات نفسه، أما ابن حزم فامتنع لأن الأمراء في عصره ما كان ينظر إليهم نظرة إكبار تسوغ له أن يطلب عطاءهم أو أن يقبله. فهو وزير ابن وزير، وما كان له أن ينظر إلى أمراء الطوائف أكثر من نظرته
54