إن القائمة هي عبارة عن سجل طويل للغاية؛ ابتهج جمهورها بموسيقى الأسماء وما يتصل بها. والقائمة الطروادية الأقصر كثيرا، والتالية لها، هي أيضا قائمة جغرافية، ترتب الآن من الشمال إلى الجنوب، من طروادة إلى إقليم كاريا، ثم تتبع الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى إلى ليكيا، وهي الأراضي التابعة للاستيطان اليوناني في أوائل العصر الحديدي فيما بعد حوالي عام 1000 قبل الميلاد. وهذا الكم الهائل من الأسماء في كلتا القائمتين يعطينا إحساسا بعظم الحرب التي على وشك النشوب. (5) «هيلين على الأسوار» (3، 121-242)، و«المبارزة بين مينلاوس وباريس» (3، 1-120؛ 245-461)
إن آخيل في حالة حرب مع أجاممنون، ولكن الآخيين في حالة حرب مع طروادة، بقيادة هيكتور الذي لا نظير له، ابن الملك بريام. قبل أن يشتبك حشد الآخيين (عشرة رجال لكل طروادي) مع الطرواديين، وقبل أن يبدأ الصراع، نلتقي الآن مع هيكتور العظيم عندما يقف أمام الجميع ويقترح إجراء مبارزة بين الفاعلين الأصليين، باريس ومينلاوس. بالتأكيد أي مبارزة من هذا النوع تخص، منطقيا، بداية الحرب، وليس عامها العاشر. لا بد أن هوميروس كان لديه الكثير من هذه المواد في ذخيرته الأدبية، التي يعاد استخدامها الآن كعملية إرجاء لكسب الوقت من أجل خلق وهم بأن أمورا كثيرة تحدث بينما آخيل ينتظر تحقيق مشيئة زيوس. إن هوميروس ليس معنيا بمعقولية المبارزة وإنما بالحاجة إلى تأخير الحدث؛ فهو يتجاهل الواقعية من أجل تلبية الحاجة الدرامية.
يقود اقتراح المبارزة بسهولة إلى مشهد «هيلين على الأسوار». لقد سمعنا بالفعل عن هيلين. فآخيل في مذمته لأجاممنون، الذي كان يهدد بأخذ امرأته، ذكر أجاممنون بأنهم جاءوا إلى طروادة لأجل امرأة. إن الشخصية
Character (والتي تعني في الأصل
imprint «دمغة/سمة») معززة للحبكة، ولكن هوميروس لا يصف لنا أبدا الشخصية، خلافا لما يجري في الرواية المعاصرة حيث يمكننا أن نعرف أعمق أفكار بطل الرواية. بدلا من ذلك، يستعرض هوميروس أناسا يقومون بأمور ويقولون أمورا.
تسمع هيلين شائعات بشأن المبارزة وتترك مخدعها لتلحق بالشيوخ الطرواديين على الأسوار، لتطل بناظريها على السهل، ربما كما كانوا يفعلون في الأيام الأولى للحرب. وقد سبق وأن رأينا في «الحلم الملفق» قصد التسلية عن طريق السخرية من الشخصيات المثالية البطولية (فلا يليق بالأبطال أن يفضلوا الديار على الحرب) وعن طريق السخرية من ثرسيتيس مشوه الخلقة المثير للمتاعب. وتقدم وحدة «هيلين على الأسوار» التسلية بأن تعرض لنا ما لامرأة رعناء على الشيوخ من الرجال من سلطان، ولكنها تتحول إلى الجدية في صورة ذهنية للصراع الداخلي الذي يكتنف هيلين والحزن إزاء عارها.
عندما يرى بريام والشيوخ هيلين، يثرثرون بشأن مدى ما تتمتع به من جمال، بيد أنها لا تساوي ثمن الحرب. يدعو بريام هيلين إلى جانبه ويؤكد لها، وهو يقف على مقربة منها، أن ما حدث كان خارجا عن نطاق سيطرة أي أحد. ويسأل عن هوية الأبطال الواقفين بالأسفل على السهل الذين يستعدون للمبارزة، وهو ثانية أمر مناسب للأيام الأولى للحرب. وبسخرية ماكرة تشير إلى أجاممنون شقيق زوجها، وأوديسيوس (أحد الخطاب)، وأياس ابن تيلامون (المدعو أياس الأعظم)، وإيدومينيوس الكريتي. عندما لا ترى أخويها كاستور وبولوديوكيس، تخشى ألا يكونان قد أتيا لشعورهما بالعار من سلوكها؛ إذ تدعو نفسها بقولها «أنا بغي». والحقيقة أنهما قد ماتا؛ إذ قتلا وهما يقومان بغارة لسرقة الماشية، إلا أن فسق هيلين تسبب في عزلتها عن أسرتها وفجأة أصبحت بمفردها. يصف هوميروس ببراعة طبيعة شخصية هيلين لكل الأزمان في هذا المشهد القصير؛ فهي محاصرة بالافتقار إلى الثقة بالنفس والحزن، ولكنها مع ذلك امرأة تحصل على ما تريده من خلال جاذبيتها وفتنتها.
أما المبارزة فهي عبارة عن تمثيلية هزلية مضحكة بين زوج وعشيق زوجته. فشخصية باريس في القصائد الهوميرية هي شخصية زير نساء مخنث ولا قبل له بمينلاوس الضخم المفتول العضلات، الذي يطرحه أرضا ويجرجره من خوذته. ويتوغل حزام الخوذة عند الذقن في حلق باريس. وفجأة وفي لمح البصر، يختفي باريس من أمام عيني مينلاوس! أين يمكن أن يكون؟ ويفتش حوله، وهو يبدو تماما كالأحمق.
لقد جاءت أفروديت من السماء لتزيح فتاها المفضل بعيدا، حاملة إياه إلى خدر هيلين؛ فالإلهة تمثل قوة «الرغبة الجنسية» المدمرة التي لا تقاوم؛ فهي التي استدرجت هيلين إلى فراش باريس في المقام الأول، وهي التي تستطيع أن تفعل أشياء مثل هذه. لا أحد يستطيع مقاومة أفروديت، ولا حتى زيوس (كما سوف نعرف لاحقا في القصة). بيد أن الظلام والموت هما النتيجة التي تعقب الرغبة الجنسية الجامحة، بل يصل الأمر إلى حد دمار مدن بأكملها وهلاك شعوب بأسرها، وعالم ملتهب.
في المخدع تذكر أفروديت هيلين، التي كانت تجأر بالشكوى، بحاجتها إلى حماية أفروديت، فيتعين عليها أن تمضي إلى فراش باريس من فورها. يبدو على باريس بعض الاندهاش من نجاته أو من حظه الطيب أو من رغبته في معاشرة هيلين في تلك اللحظة، وهو ما يفعله بالفعل بينما زوجها المثير للسخرية يثب بجنون، إلى أعلى وإلى أسفل وهو يضرب برجليه السهل بحثا عنه. (6) «غدر بانداروس» (4، 1-219)، و«تعبئة الحشد» (4، 220-421)،و«مجد ديوميديس» (4، 364-5، 909)
ناپیژندل شوی مخ