وكذلك ينقضي كل شيء.
والنزعة الصوفية الواضحة تغلب على هذه الأبيات. فالبشر الفانون لا يدرون كيف يفسرون ظهور السحابة المقدسة، بعد أن تاهوا في الأرض كالأيتام - كما تقول القصيدة نفسها في موضع آخر - وفقدوا الإحساس بالوفاء للبطولة والألوهية والقداسة. والحيرة تفاجئهم وتصيبهم الدهشة والذهول - ربما لأنهم لم يتوقعوا ظهور القداسة على الأرض أو لأنهم نسوها وفقدوا الصلة بها. ولهذا تضيع الأغنية من الشاعر كما ضاعت منه منذ بدأ يحاول الغناء. ولهذا أيضا يحس في نفسه حاجة للمزيد من الغناء على الرغم من انقطاع أغنيته، إذ لا تزال الأرواح الطيبة تناديه وتؤثر على حياة الإنسان لترده للطاعة والوفاء.
ولا يخفى على القارئ أن مثل هذا الشعر يصبح مستحيلا بغير الإيمان العميق. فهو مؤمن بأن الآلهة أو الخالدين أو الأرواح الطيبة تحب الإنسان حبا شديدا. ولقد عبرت عن حبها للشاعر نفسه بما احتمله في سبيلها من عذاب قاس انتهى به إلى التسليم. فكل شيء طيب وخير، والشاعر الذي فقد كل شيء حين فقد نعمة الحب لا يملك إلا الشكر؛ أي لا يملك إلا الشعر. والشعر هو سبيله الوحيد للتعبد والطاعة والوفاء ...
ولقد وهب هذا الشعر أو هذا الغناء الطيب الحزين كل حياته. فالشعر يجري في حياته جريان الدم في عروقه. ولكنه كذلك يمر وينقضي. والشاعر يقف على الشاطئ، يجرفه تيار النغم ويحس نحوه بالخجل والشحوب .. ربما لأنه عجز عن الغوص في تيار الحياة فقنع بتيار الشعر الذي راح ينشده بين النشوة والبكاء. ويمضي التيار، وتتساقط الدموع التي كان يدخرها للحب، ولا يبقى له غير هذا العزاء؛ وهكذا ينقضي كل شيء!
كانت محنته في قلبه. أراد «الغناء الخفيف» فأثقل قلبه بالحب المحروم، بمرارة الفقد والفراق وخيبة الأمل. لم يتعلق هذا الحب بشخص واحد ولا موضوع واحد، ولو اقتصر عليه لكان من السهل تعويضه أو التعزي عنه.
بدأ هذا الحب مع «مليته» في الشذرة أو الصياغة الأولى لروايته هيبريون، فكانت هي «الوحيدة». ثم أصبحت ديوتيما، في الخيال والواقع، هي «سلام السماء». وعبر ليل الحزن والمعرفة فتجاوز شخص الحبيبة ذات الأسماء المتعددة إلى المطلق. وتجسد هذا المطلق في أواخر حياته في شخص المسيح وعذابه وصعوده. وهنا أصبح المسيح هو «السلام المبارك» وهو «الوحيد»:
لكن الحب
يتعلق بواحد.
إذ إن الغناء
قد خرج في هذه المرة
ناپیژندل شوی مخ