لهذا لقيت الدعوة الموسوية منذ بداءتها حربا من فرعون شعواء، ولذلك آزرت المعجزات موسى ليؤمن الناس بدعوته. ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى تلقف ما صنع سحرة فرعون. ولم يجد ذلك موسى شيئا، فاضطر إلى مغادرة وطنه مصر، وقد آزرته في هجرته معجزة انفلاق الطريق في البحر خلال الماء. وقد ولد عيسى في الناصرة من أعمال فلسطين، وهي يومئذ ولاية رومانية خاضعة لحكم القياصرة ولظلم المستعمرين بها ولآلهة رومية، فدعا الناس إلى الصبر على الظلم، وإلى المغفرة للتائب المنيب، وإلى ألوان من الرحمة اعتبرها القائمون بالأمر ثورة على تجبرهم، فآزرت عيسى معجزات إحياء الموتى وإبراء المرضى وسائر ما أيده به روح القدس من عنده. صحيح أن تعاليمهم تنتهي في جوهرها إلى ما تنتهي إليه تعاليم محمد في جوهرها، مع خلاف في التفاصيل ليس هنا موضع إيضاحه. لكن هذه العوامل المختلفة، والعامل السياسي في مقدمتها، وجهت دعوتهما اتجاهها. أما محمد - وكانت ظروفه ما قدمنا - فكانت رسالته عقلية روحية أساسها الدعوة إلى الحق والخير والجمال، دعوة مجردة في بدئها وفي غايتها. ولبعدها عن كل خصومة سياسية لم تزعج النظام الجمهوري الذي كان قائما بمكة بأية صورة من صور الإزعاج.
وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكر ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قوي، فهذه الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة لك في هذا البحث، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على المقدمات العلمية، فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص، ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرب الخطأ إلى ناحية من نواحيها. وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته، فكيف اقتنع الذين اتبعوه بدعوته وآمنوا بها؟ نزعوا من نفوسهم كل عقيدة سابقة وبدءوا يفكرون فيما أمامهم.
لقد كان لكل قبيلة من قبائل العرب صنم. فأي صنم هو الحق وأي صنم هو الباطل؟ وكان في بلاد العرب وفي البلاد التي تجاورها صابئة ومجوس يعبدون النار، وكان فيها الذين يعبدون الشمس فأي هؤلاء على الحق، وأيهم على الباطل؟ لنذر هذا كله إذن جانبا، ولنمح أثره من نفوسنا، ولنتجرد من كل رأي ومن كل عقيدة سابقة ولننظر. والنظر والملاحظة بطبيعة الحال سيان. مما لا شبهة فيه أن لكل موجود بسائر الموجودات اتصالا؛ فالإنسان تتصل قبائله بعضها ببعض وأممه بعضها ببعض. والإنسان يتصل بالحيوان والجماد. وأرضنا تتصل بالشمس وبالقمر وبسائر الأفلاك. وذلك كله يتصل في سنن مطردة لا تحويل لها ولا تبديل. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار.
ولو أن إحدى موجودات الكون تحولت لتبدل ما في الكون، فلو أن الشمس لم تسعد الأرض بالنور والحرارة، على السنة التي تجري عليها منذ ملايين السنين، لتبدلت الأرض غير الأرض والسماء. وما دام ذلك لم يحدث، فلا بد لهذا الكل من روح يمسكه؛ منه نشأ، وعنه تطور، وإليه يعود. هذا الروح وحده هو الذي يجب أن يخضع له الإنسان. أما سائر ما في الكون فهو خاضع لهذا الروح كالإنسان سواء. والإنسان والكون والزمان والمكان وحدة، وهذا الروح جوهرها ومصدرها. وإذن فلتكن لهذا الروح وحدة العبادة. ولهذا الروح يجب أن تتجه القلوب والأفئدة. وفي الكون كله يجب أن نلتمس من طريق النظر والتأمل سننه الخالدة. وإذن فما يعبد الناس من دون الله أصناما وملوكا وفراعنة ونارا وشمسا إنما هو وهم باطل غير جدير بالكرامة الإنسانية، ولا هو يتفق مع عقل الإنسان وما كرم به من القدرة على استنباط سنة الله من طريق النظر في خلقه.
هذا جوهر الدعوة المحمدية على ما عرفها المسلمون الأولون. وقد أبلغهم الوحي إياها على لسان محمد في آي من البلاغة كانت ولن تزال معجزة؛ فجمع لهذا بذلك بين الحق وتصويره في كمال جماله. وهنالك ارتقت نفوسهم وسمت قلوبهم تريد الاتصال بهذا الروح الكريم؛ فهداهم محمد إلى أن الخير هو طريق الوصول، وأنهم مجزيون عن هذا الخير يوم يتمون واجبهم في الحياة بالتقوى، ويوم تجزى كل نفس بما كسبت.
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
8
أي سمو بالعقل الإنساني أعظم من هذا السمو؟! وأي تحطيم لقيوده أشد من هذا التحطيم؟! حسب الإنسان أن يفهم هذا وأن يؤمن به وأن يعمل عليه ليبلغ الذروة من مراتب الإنسان. وفي سبيل هذه المكانة تهون كل تضحية على من يؤمن بها.
وقد كان من جلال موقف محمد ومن اتبعه أن ازداد بنو هاشم وبنو المطلب منعا له ودفعا للأذى عنه. مر أبو جهل بمحمد يوما فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتوهين من أمره، فأعرض محمد عنه وانصرف ولم يكلمه. وكان حمزة عمه وأخوه من الرضاعة، لا يزال على دين قريش، وكان رجلا قويا مخوفا. وكان ذا ولع بالصيد، فإذا رجع من صيده طاف بالكعبة قبل أن يعود إلى داره. فلما جاء في ذلك اليوم وعلم بما أصاب ابن أخيه من أذى أبي جهل ملأه الغضب، وذهب إلى الكعبة ولم يقف مسلما على أحد ممن كان عندها كعادته، ودخل المسجد فألفى أبا جهل فقصد إليه، حتى إذا بلغه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة. وأراد الرجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل فمنعهم حسما للشر ومخافة استفحاله معترفا أنه سب محمدا سبا قبيحا، ثم أعلن حمزة إسلامه، وعاهد محمدا على نصرته والتضحية في سبيل الله حتى النهاية.
ضاقت قريش ذرعا بمحمد وأصحابه؛ إذ رأتهم يزدادون كل يوم قوة، ثم لا يثنيهم الأذى ولا يصرفهم العذاب عن إيمانهم والجهر به، وعن صلواتهم وأداء فرضها؛ فخيل إليهم أن يتخلصوا من محمد بما توهموا من إرضاء مطامعه، ناسين عظمة الدعوة الإسلامية ونزاهة جوهرها الروحي السامي عن الخصومة السياسية. فقد رغب عتبة بن ربيعة، وكان من سادات العرب، إلى قريش وهم في ناديهم أن يكلم محمدا وأن يعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فيعطونه أيها شاء ويكف عنهم. وكلم عتبة محمدا فقال: «يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب. وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها ... إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد تشريفا سودناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك. وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا
ناپیژندل شوی مخ