حصاد فلسفی
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
ژانرونه
لا يمكن لنا إذن - في رأى نيتشه - أن نعيش وفقا للطبيعة، بل أن نعيش وفقا للحياة، وكأنه استبدل الحياة بالطبيعة، أي أن نعيش وفقا لأعماق الحياة وإرادة الحياة.
قد يفهم مما سبق أن نيتشه ينكر فكرة العودة إلى الطبيعة، بينما حقيقة الأمر أنه ينشد العودة إلى الطبيعة، ولكن مفهومه عن تلك العودة مختلف ومعارض لمفهوم روسو، فهو يصرح في نص له بعنوان التقدم في نظري: «أنا أيضا أتكلم عن العودة إلى الطبيعة على الرغم من أنها ليست عملية رجوع إلى الوراء، بل انطلاق أو صعود إلى أعلى، نحو طبيعة ونزعة طبيعية عالية حرة، بل مرعبة، طبيعة قادرة على أن تقوم بالمهام العظمى كما هي قادرة على أن تلعب معها. على سبيل المثال نابليون كان مثلا للعودة إلى الطبيعة، أما روسو فلا.»
53
ويميز نيتشه بين ثلاثة نماذج للإنسان يحدد من خلالها نوع «العودة إلى الطبيعة» الذي نشده ووجده في أحد هذه النماذج: النموذج الأول يمكن أن نطلق عليه نموذج إنسان روسو، فقد رسم نيتشه صورة له انتهت بتصوير روسو نفسه على أنه حالم يوتوبي وثوري اجتماعي وفي نفس الوقت له موقف من الحياة يتسم بالمرارة والنقمة؛ فصرخة روسو للعودة إلى الحيوية الطبيعية إنما تنم عن احتقار الإنسان لنفسه وتوقه للعودة إلى الوراء. أما عن النموذج الثاني فهو إنسان جوته، وهو النموذج المضاد للنوع الأول، فقد مجد نيتشه جوته باعتباره تجسيدا لهذا النموذج الثاني الذي أطلق عليه وصف النموذج الديونيسي. ويتحدث نيتشه عن شمولية جوته، بمعنى التأليف بين العقل والحساسية، بين المشاعر والإرادة: «ليس جوته مجرد ألماني، بل هو حدث أوروبي محاولة رائعة لتجاوز القرن الثامن عشر، أو التغلب عليه عن طريق العودة إلى الطبيعة، والصعود إلى النزعة الطبيعية لعصر النهضة، لقد استطاع أن يقهر ذاته ويتجاوزها
Self-overcoming ، وأن يحمل في صدره أقوى غرائز هذا القرن: عاطفيته، تعبده للطبيعة وروحه المضادة للتاريخ، ومثاليته وعدم واقعيته وثوريته.»
54
فالعودة إلى الطبيعة التي يفضلها نيتشه، ووجدها متجسدة في جوته نفسه - وهي بالطبع مختلفة عن العودة إلى الطبيعة كما هي عند روسو - تتمثل في رمز الانتصار على الرومانسية أو قهرها وتجاوزها، كما تؤكد السمة اللاأخلاقية للوجود، والتي تعني أن الوجود في حد ذاته ليس وجودا أخلاقيا، ولكننا نحن الذين نضفي عليه التقييم الأخلاقي، كما تؤكد أيضا تبني موقف من الحياة فيما وراء الخير والشر، موقف تأكيد وتعزيز للحياة وليس احتقارها، ويأتي أخيرا إنسان شوبنهور الذي يرفضه نيتشه لسبب بسيط وهو رفضه - أي شوبنهور - للحياة وعزوفه عنها.
ويعود هجوم نيتشه على روسو إلى تفسير هذا الأخير لمشكلة الحضارة التي زعم أنها أفسدت الوجود التاريخي للإنسان، فقد كتب نيتشه تحت عنوان ضد روسو: «لسوء الحظ لم يعد الإنسان شريرا بما فيه الكفاية؛ إن خصوم روسو الذين يقولون إن الإنسان حيوان مفترس هم لسوء الحظ مخطئون. إن لعنة الإنسان لا تكمن في فساده، بل في مدى ما وصل إليه من الرقة والأخلاقية.»
55
ويتضح من هذا النص هجوم نيتشه على الفهم التقليدي للتقدم الحضاري، وإعادة تقييمه لمشكلة الحضارة من جديد، فهو لم يدحض الحجة القائلة بأن الحضارة قد أفسدت الإنسان، بل هو يصرح بأنها لم تفسده بما فيه الكفاية، الأمر الذي يفهم منه أن التدهور أو الانحلال هو أحد المظاهر الضرورية للحياة واللازمة لنموها وبقائها، وربما كان أيضا هو أحد الأسباب التي تضفي المأساوية على الوجود الإنساني. وبذلك لا يمكن لنا أن نفسر العدمية بأنها هي علة التدهور، وإنما هي النتيجة المنطقية له: «إن كل حركة مثمرة ومفعمة بالقوة تحدثها الإنسانية تبدع أيضا، وفي نفس الوقت حركة عدمية.»
ناپیژندل شوی مخ