حصاد فلسفی
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
ژانرونه
42
لم يقر نيتشه بأن نيرون أو غيره كانوا حكاما عظماء، ولكنه أنكر أن الجنس الروماني كله كان منحطا، بل امتدح الحصاد الإيجابي في العصور البطولية للإمبراطورية الرومانية القديمة بلا تحفظ، وأكد أنه في اللحظة التي انتصرت فيها المسيحية بدأ التاريخ في الارتداد والنكوص.
لقد فسر نيتشه التاريخ في كتابه «جينالوجيا الأخلاق» بأنه صراع بين نوعين من الأخلاق: أخلاق السادة وأخلاق العبيد. تمثل النوع الأول في الحضارات الكبرى الأرستقراطية كالحضارة اليونانية والرومانية والجرمانية، وهي في رأيه العصور البطولية التي تميزت بالقوة والحيوية والسيادة. ويمثل النوع الثاني العصر المسيحي وما صاحبه من قيم تعبر عن أخلاق العبيد. وما التاريخ البشري إلا محاولة كل من هذين النوعين السيطرة والسيادة على الآخر، وعقد نيتشه مقارنة بين صحة وقوة الإمبراطورية الرومانية وبين ضعف ومرض الديانة اليهودية-المسيحية عبر القرون، فبعد الصراع الميلودرامي التاريخي بين الإمبراطورية الرومانية والدين المسيحي، انتصرت المسيحية واكتسبت شعبيتها الكبيرة، وازداد توهجها بشكل لا يمكن تجاهله، وانتصرت معها قيم العبيد، إلى أن جاء عصر النهضة الذي تألق بعودة النموذج الكلاسيكي - وهو النموذج النبيل في رأي نيتشه - لتقييم كل الأشياء، ومن ثم عاد مجد روما من جديد، وبدت الإمبراطورية الرومانية وكأنما استيقظت من الموت، وبدأت المثل والقيم الأرستقراطية تنهض من جديد، واستعادت أخلاق السادة، ولكن سرعان ما انتصرت الروح العبودية للديانة اليهودية-المسيحية مرة أخرى في حركة الإصلاح الديني التي قام بها مارتن لوثر، ودبت الروح في الكنيسة مرة أخرى، كما انتصرت أخلاق العبيد ثانية مع الثورة الفرنسية، وانهارت معها آخر النظم النبيلة في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر: «مع الثورة الفرنسية انتصرت اليهودية مرة أخرى على النموذج الكلاسيكي، وفي هذا العصر كان المغزى الأكثر عمقا وأهمية هو انهيار آخر نبالة سياسية في أوروبا، انهارت في القرنين الفرنسيين السابع عشر والثامن عشر تحت تأثير غرائز العامة التي اتصفت بروح الانتقام والحقد، وسادت البهجة الكبرى، أي سادت نزعة حماسية صاخبة لم يسمع بها على الأرض من قبل.»
43
ولكن مع ظهور نابليون عادت قيم السادة الأرستقراطية مرة أخرى، ولكن سرعان ما سقطت وزالت بسقوط نابليون الذي اعتبره نيتشه آخر شعاع نور لقيم السادة في أوروبا. وهكذا وصل نيتشه إلى إدانة واتهام العصر الحديث الذي نتج عن دين العبودية، وعندما صرح بأن آخر النظم النبيلة في أوروبا قد انهار مع الثورة الفرنسية، فقد أعطى للصراع بعدا سياسيا، وواصل رؤيته النكوصية للتاريخ التي امتدت من هجومه على الإنسان الذي روضته الديانة المسيحية وأضعفته ، إلى الهجوم على الإنسان الحديث - الذي هو امتداد لتلك الديانة - وعلى عصره الحديث الذي يمثل سيادة قيم العبيد المتدهورة.
ولكن كيف يمكننا - في ضوء نظرية نيتشه عن العود الأبدي السابق شرحها - أن نفسر هذه الرؤية النكوصية للتاريخ؟ ألا تمثل هذه الرؤية نوعا من التناقض في فكر نيتشه؟ ألا يمكن - وفق الدورة الأبدية للتاريخ - أن تعود العصور البطولية مرة ومرات أخرى كثيرة؟ هذه التساؤلات وأخرى غيرها عديدة لا نجد لها إجابة شافية عند نيتشه، وهذه أيضا إحدى مفارقاته؛ إذ يصعب تصور رؤيته النكوصية للتاريخ في ضوء نظريته عن العود الأبدي، وهي النظرية التي تنهار تماما إذا ما حاولنا تحليلها تحليلا منطقيا دقيقا، وذلك بسبب افتقادها إلى المعقولية، وإن لم يكن هذا غريبا على فيلسوف هو ضد إعمال العقل. (2) كشف قناع الزمن الحاضر (العصر الحديث) بين نيتشه وروسو
يمثل الزمن الحاضر مفترق طرق حاسما في كل فلسفة للتاريخ: فكيف نظر نيتشه إلى زمنه الحاضر؟ وهل اختلفت رؤيته التاريخية أم تشابهت مع من سبقوه من فلاسفة التاريخ؟ في واقع الأمر إن رؤية نيتشه للزمن الحاضر اختلفت عن أوغسطين - على سبيل المثال - الذي اجتمعت كل أبعاد الزمن عنده في الحاضر، فالإنسان عنده لا يتحكم في التاريخ؛ لأنه محدد سلفا من قبل العناية الإلهية، كما اختلفت أيضا عن هيجل الذي رأى - كما شرحنا فيما سبق - في مسار التاريخ تقدما بلغ ذروته في عصره، ولم يكن متشابها مع ماركس الذي كان انتصار التاريخ عنده مضمونا بحكم الحتمية التاريخية ووفق تصوره للتطور الحتمي للتاريخ. كما اختلفت رؤيته أيضا عن فلاسفة التاريخ في عصر التنوير الذين آمنوا إيمانا مطلقا بتقدم وازدهار التاريخ في عصرهم. في حين نرى عند نيتشه هجوما عنيفا على زمنه الحاضر واتهاما لإنسان العصر الحديث بالضعف عبر عنه تعبيرا شاعريا في كتابه «هكذا تكلم زرادشت».
يصعد نيتشه كراهيته ونفوره من زمنه الحاضر إلى درجة التحذير من المستقبل، بحيث نستطيع أن نقول إن فلسفته في التاريخ تطورت في ضوء قلقه على المستقبل الإنساني، كما تطورت من تأمل الماضي بجانبيه، جانب التدهور وأسبابه، وجانب الأمل الذي يؤسس أحد أركان فلسفته التاريخية، وهي أنها فلسفة أرادت أن تحدث نوعا من إثارة التفكير والتحريض على الفعل لترتقي بالمستقبل الإنساني عندما أكد بشكل مثير ومحرض الاحتياج الإنساني للسيطرة على التاريخ: «ما هو إذن منتهى آمالنا هو أن نتوجه نحو إيجاد فلاسفة جدد وليس هناك اختيار، نحو أرواح قوية وأصيلة بالقدر الذي يزودنا بالدوافع التي تجعلنا نقيم تقييمات مضادة، ونعيد التقييم ونقلب ما يسمى بالقيم الأبدية نحو رواد، رجال مستقبل يشغلون أنفسهم في الوقت الحاضر بربط العقدة التي تضطر إرادة العامة إلى السير في طرق جديدة، نحو تعليم الإنسان أن مستقبل الإنسان هو إرادته، وأن مستقبله متوقف على الإرادة الإنسانية، وأن نعد لمخاطرات عظمى ومحاولات شاملة لإحلال النظام والتهذيب عن طريق وضع نهاية للهيمنة المرعبة للاعقل والمصادفة التي سميت حتى الآن باسم التاريخ.»
44
وإذا كانت رؤية نيتشه التاريخية قد اختلفت عن رؤى فلاسفة التاريخ السابق ذكرهم، فهي قد تشابهت إلى حد ما مع رؤية جان جاك روسو (1712-1778م)، حيث نظر كلاهما إلى الزمن الحاضر نظرة نقدية فاحصة عبرت عن رؤية نكوصية للتاريخ. (2-1) الرؤية النقدية للعصر الحديث بين نيتشه وروسو
ناپیژندل شوی مخ