حقیقت
الحقيقة: وهي رسالة تتضمن ردودا لإثبات مذهب دارون في النشوء والارتقاء
ژانرونه
في الجوهر الفرد
وبعد أن نفى مذهب دارون بسط الكلام على آراء الفلاسفة «الماديين » في أصل العوالم، قال: «إن مذهب أولئك الفلاسفة أن الجواهر الفردية؛ أي أصغر أجزاء المادة التي تنتهي إليها قسمة الأجسام أصل كل ما في السماء وعلى الأرض، وأنها أزلية أنشأت كل ما يرى بالتفاعل.» ثم ذكر مذهب ديموقريطس في الجوهر الفرد، وقال: إنه لا فرق بينه وبين مذهب هؤلاء «المتفلسفين» اليوم، واستطرد إلى ذكر تعريف سبنسر للارتقاء: إنه تغير المتماثلات وتحولها إلى مختلفات، واستغاث على غرابة هذا القول بجمهور الكيماويين؛ إذ صرخ: «فليتأمل الكيماويون ويعجبوا ما شاءوا.» ثم ذكر مذهب دلتون المعول عليه في الكمياء، وقال: «إن كلا من مذهب ماديي هذا العصر ومذهب الكيماويين في الجواهر الفردة ينفي الآخر.» وذكر أن الجوهر الفرد عندهم متحرك الباطن، وأن شكله متغير، قال: «ويستحيل الحركة الداخلية «كذا» وتغير الشكل بلا تبدل أوضاع الأجزاء، وهو القسمة بالفعل، فلزم من أقوالهم أن ما لا يتجزأ فعلا يتجزأ فعلا، وهو محال؛ لأنه اجتماع النقيضين.» وتذرع بذلك كله إلى نفي الجوهر الفرد لينفي ما يترتب عليه؛ حيث قال: «إن الجواهر الفردة لم يثبت وجودها؛ فلا يثبت لها علية ولا قدم ولا حدوث» إلى أن قال متظاهرا بالظفر: «وهنا نلتمس من سادتنا الماديين أن يأذنوا لنا بأن نقول: إن الفلسفة المادية كلها خبط، وأن مبدأهم الأول، وأس فلسفتهم، وأصل عالمهم وهم ما لهم من حجة لإثباته، وهو منفي من مبادئهم عينها، فكل ما شادوه عليه من فلسفتهم صروح أوهام على أساس موهوم.»
وربما وهم البعض من هذا القول أن مذهب الماديين في أصل العوالم والجوهر الفرد هو غير مذهب سائر علماء الطبيعة والكيمياء المعول عليهم اليوم، فنحن لا نتعرض في هذا الفصل إلا لذكر لمع من هذا المبحث، منبهين إلى الأغلاط التي ارتكبها، مقتصرين إلى الإشارة فقط إلى أوجه الاتفاق والاختلاف بين الماديين وسواهم، فنقول:
ذهب علماء الطبيعة إلى أن العوالم مؤلفة من أجزاء في غاية الصغر لا تقبل القسمة سموها جواهر فردة، وهم وإن كانوا لم يروها إلا أنهم لم يروا بدا من التسليم بها لموافقتها للعلوم الطبيعية وللكيمياء خاصة، فلا يخفى أن التركيب الكيمي هو دائما على نسب معينة، فالهيدروجين يتحد بالأكسجين على نسبة 2 إلى 1 فيركب ماء ، ولا يتركب الماء على غير هذه النسبة البتة، وإذا اختلف التركيب بين العناصر الواحدة، فنسبه إنما تكون على نسبة عددية، فالنيتروجين يتحد بالأكسجين على نسب مختلفة، فيركب مركبات مختلفة.
وهذه النسب هي دائما كنسبة 1 إلى 1 مثلا، أو 2، أو 3، أو 4، أو 5، وإذا اتحد عنصران يتحد أحدهما بالآخر على نسب معينة بعنصر آخر، فنسب اتحادهما بهذا العنصر هي نفس نسب اتحادهما بعضهما ببعض. وهذا كله لا يجب أن يكون إن لم يكن في المادة أجزاء لا تقبل القسمة، قالوا: وهذا ليس وهما، بل حقيقة، وهو «حجتنا لإثبات الجوهر الفرد.» ثم إن لم تكن الأجسام مؤلفة من أجزاء منفصلة غير متلاصقة لها خاصة التدافع والتجاذب، فلا بد أن تكون مؤلفة من مادة متصلة متلاصقة، ولا يمكن غير ذلك، فإن لم تكن أجزاؤها منفصلة، فلا يبقى وجه لتعليل الحالات الطبيعية كالمسامية والانضغاط والانقسام والتمدد، والمرونة والجمودة، والسيولة والغازية، ولا يعرف ما التركيب الكيماوي، فإن قيل: إنه تداخل شديد بين المواد المختلفة، قلنا: ما حقيقة هذا التداخل، ولم يكون دائما على نسب معينة ثابتة؟ ولماذا كانت النسب العددية والمكافآت أو المعادلات الكيماوية، فتعليل التركيب الكيماوي على هذا الفرض لا ينطبق على الحوادث التي لا بد من الاعتراف بها، وإنما ينطبق عليها على الفرد الأول، فلا بد إذن للطبيعي ولطالب علم الكيمياء من التسليم بالجوهر الفرد، ولو صعب عليه تعيينه، كما أنه لا بد لطالب علم الهندسة من التسليم بالنقطة ولو صعب عليه تعيينها.
والجوهر الفرد اليوم ليس الجوهر الفرد الذي قال به ديموقريطس لاختلاف أسباب القول به، فقول ديموقريطس به من قبيل الحدس، وأما اليوم فالقول به ليس من قبيل الحدس، بل نتيجة لازمة لحقائق علمية كما مر. وهذا سبب الاختلاف بين مذهب الكيماويين اليوم - لا الماديين وحدهم - ومذهب ديموقريطس وأبيقورس،
1
فمذهب ديموقريطس ليس «عين مذهب بخنر ومن وافقه من الماديين»، والماديون أو كما يقول صاحبنا «هؤلاء المتفلسفون» لم يجروا في مضايق فلسفة بعض الأقدمين الوهمية، وإنما جروا على مبادئ علم الكيمياء، ولعله لم يرمهم بالوهم إلا ليجوز له «دفع الأوهام بأوهام أدنى منها» - كما يقول أيضا - وإلا فأين الوهم في التعليل عن العالم بمادته وعن الطبيعة بسننها.
الفصل الثاني
في رأي طمسن في الجوهر الفرد
ناپیژندل شوی مخ