هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
ورفعه على الفاعلية توسع من إسناد الفعل إلى ظرفه، والأصل وقع التقطيع بينكم، وقيل بين فى قراءة الرفع بمعنى الوصل، على أنه من الأضداد تستعمل للوصل والفراق. { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } تزعمون أنه شريك لم يحضر لينفعكم، بل غاب ولو حضر لم ينفعكم، أو غاب نفعه ولو حضر فهى حاضرة لا تشفع لهم فهى كالغائب، أو ذهب اعتقادكم أنه لا بعث ولا ثواب ولا عقاب.
[6.95]
{ إن الله فالق الحب والنوى } أى شاق الحبوب والنويات اليابسات بإخراج الورق والأغصان منها، أى يشق الحب عن النبات، والنوى عن النخل، قاله ابن عباس والزجاج والحسن والسدى وابن زيد، وقال مجاهد شاق الحب والنوى، أى جعل فيهما الشق، وذلك هو ما يرى عن شق فى النواة وحب القمح والشعير والأرز، وهذه الأقوال قول الجمهور، وقال الضحاك ومقاتل وابن عباس فى رواية العوفى قالوا بمعنى خالق، ونسبه الأزهرى للزجاج، وقال الطبرى لا يعرف فالق بمعنى خالق، والحب والنوى واحدهما حبة ونواة، ولا يختص النوى بنوى التمر، بل يشمل نوى الخوخ وغيره، والحب ما يؤكل كحبة البر، وحبة الرمان، وهذا زيوع إلى تقرير أمر التوحيد ودلائله، أى أن الله يقدر على فلق الحبة والنوى، ولا تقدر عليه أصنامكم ولا غيرها، فكيف تشركون به غيره، والمستحق للعبادة هو الذى يفلق الحب والنوى لا غيره، وهو كلام لهم فى الدنيا، ودليل على صحة البعث. { يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى } فخرج ما ينمو مما لا ينمو كالحيوان من النطفة، والشجر والنبات من الحب والنوى، ويخرج ما لا ينمو مما ينمو كإخراج الحب والنوى والنطفة والنبات والشجر والحيوان، والجملة بيان لقوله { إن الله فالق الحب والنوى } ولذلك فصلت ولم توصل بالعطف، ولذلك فسرت الحى بما ينمو، والميت بما لا ينمو عموما هكذا على عموم المجاز لا جمعا بين الحقيقة والمجاز. ولما لم يكن مخرج الميت من الحى بيانا لفلق الحب والنوى، لأن فلق الحب إخراج للحى من الميت لا إخراج للميت من الحى، لم يكن بصبغة الفعل، فعطف مخرج على فالق، وقيل المراد مخرج الحيوان من ميت كنطفة وبيضة، ومخرج الميت من الحى كنطفة وبيضة من حيوان، وبذلك قال ابن عباس والكلبى ومقاتل، وعن ابن عباس يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وقيل المطيع من العاصى، والعاصى من المطيع، وفى الآية ما مر فى سورة آل عمران، وسكن الياء غير نافع والكسائى وحمزة وحفص عن عاصم فى لفظ الميت فى الموضعين. { ذلكم } أى ذلكم الفالق للحب المخرج الحى من الميت، المخرج الميت من الحى { الله } المستحق للعبادة لا الشركاء الذين لا يقدرون على ذلكم { فأنى تؤفكون } تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.
[6.96]
{ فالق الإصباح } شاق عمود الصبح عن الليل مظهر له من الظلمة، والمفلوق هو الظلمة، فلقها وأخرج منها الصبح، وضمن الفلق معنى الإظهار، فجعل الإصباح مفلوقا أى مظهرا، والإصباح مصدر أصبح، سمى به الصبح، وهو الضوء الذى يكون فى ذلك الوقت، أو شاق الصبح عن بياض النهار، أو بياضه هو أول ما يبدو من الفجر، فيشق عنه الصبح وهو بياض أعظم، ويشق الصبح عن الإسفار وهو أعظم والصبح، فالمفلوق هنا على ظاهر وهو الإصباح بمعنى الصبح، فإنه يشقه ويخرج عنه ضوء أعظم، وإن قلت كيف يكون ذلك فى الوجهين شقا وإنما هو إحداث لضوء بجانب ظلمة، أو ضوء بجانب دونه؟ قلت بل شق فى الوسط لا إحداث لضوء بجانب، لأن البحر المظلم لا تضيئه الشمس كله بل بعضه، فإذا لم تكن الشمس بحيث يظهر ضوءها فى طرف الباء والمحيط كله من جانب مطلع الفجر مظلم، فإذا طلع الفجر فقد شقت الظلمة، فبقى بعضها إلى ما توغل من المحيط، وهو ما لا يصله ضوءها، كما أنها إذا غربت انقطع المحيط الغربى، بل من فوق وسطه، فبعضه مضئ، وبعضه المتوغل فى الغرب لا ضوء فيه أبدا، وكذلك يكون الفلق على أصله، إذا قلنا معنى فالق، فالق الفجر الكاذب وهو الصبح الكاذب، فإن الله يفلقه ويخرج منه الصادق، وكذا إذا قدرنا مضافا فقلنا فالق ظلمة الإصباح، أى الظلمة الصحيحة، فإن الظلمة هى المفلوقة، فيخرج الصبح منها. وقيل فالق بمعنى خالق، وفالق خبر ثان لإن، أو خبر لمحذوف، أى هو فالق الإصباح، أو خبر ثان لاسم الإشارة، وقرئ فالق الإصباح بنصب فالق على المدح، وجاعل الليل أيضا بالنصب عطفا وقرأ النخعى فلق الإصباح وجعل الليل بلفظ الفعل فيهما، ونصب ما بعد الفعل به، وقرئ الإصباح بفتح همزة إصباح وهو جمع صبح. { وجعل الليل سكنا } السكن ما يسكن إليه الإنسان مثلا ويناسبه للنوم والراحة، ويأنس به، وكذا الحيوان، قال ابن عباس كل ذى روح يسكن فى الليل، قال الله تعالى
وجعل منها زوجها ليسكن إليها
ويجوز أن يكون من السكون، لأن الحيوان ليسكن فيه عن الحركة، قال الله تعالى
لتسكنوا فيه
وكلام ابن عباس قابل للوجهين، ولكن ذكرته أولا تصديقا لقولى للنوم والراحة، وذلك أن الحيوان لا بد له من تعب ما، ولو انطرح على الأرض لا ينثنى، لأن نظر العين، وسمع الأذن وتكلم اللسان، وفكر القلب أعمال أيضا. وعلى كل حال فسكنا فعل بمعنى مفعول أى مسكونا إليه، أو مسكونا فيه، والأظهر أنه لم يرد أنه جعل الليل فيما مضى سكنا، بل أراد أنه ما زال ولن يزال يجعله سكنا فجاعل اسم فاعل للحال، فهو مضاف لمفعوله الأول، وسكنا المفعول الثانى، فهو باعتبار حاله واستقباله، فهذا أولى من أن يقال إن الآية دليل للكسائى على جواز نصب المفعول بوصف الماضى، ولو لم يكن صلة لأل على أن يكون جاعل بمعنى هو الذى رأيتم أنه جعل الليل سكنا فيما مضى من أعماركم، وسمعتم عمن قبلكم وأولى من أن يقال سكنا مفعول لجعل محذوفا، أى جعل الليل سكنا للفظ الفعل عطفا على فالق، لأنه بمعنى فلق، ولو أجاز الكسائى عمل الوصف الماضوى، وقيل لا يعمل الوصف المستمر، لأن فيه ظرفا من الماضى، وفى تقدير الفعل إشكال لأنه لا بد أيضا أن يقدر لجاعل ما يتم به معناه.
{ والشمس والقمر حسبانا } عطف على معمولى عامل واحد، فالشمس معطوف على محل الليل، وحسبانا على سكنا، ويدل لهذا قراءة من قرأ بجر الشمس والقمر عطفا على لفظ الليل، فيكون حسبانا أيضا معطوفا على سكنا، وهى قراءة أبى حيوة وقيل فى النصب إنهما منصوبان بفعل محذوف، أى وجعل الشمس والقمر حسبانا، كما يدل له قراءة الكسائى، وجعل الليل سكنا بالفعل، وليس ما هنا من العطف على معمولى عاملين مختلفين جرا عطفا على لفظ الليل، أو نصبا عطفا على محله، لأن العامل على كل حال هو لفظ جاعل، فعلى اعتبار استقباله وما ليته يكون محل الليل نصبا، وعلى اعتبار ماضويته يكون لا محل نصب له خلافا المجيز عمل اسم الفاعل الماضوى، وقرئ بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف ناصب لحسبانا، أى والشمس والقمر محسوبان حسبانا. وعلى كل فى حال يقدر مضاف حسبانا أى ذوى حسبان، أو التى حسبان إذ كان على أدوار تحسب بها الأوقات كتقطيع الشمس الفلك فى سنة إذ تزيد على العام العربى أحد عشر يوما، ويقطعه القمر فى ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين، فيكون ذلك الشمس، والشهور العربية مذكورة فى القرآن كحساب أجل الديون، ومواقيت الأشياء، فيكون ذكر الشمس فى الحساب ذكرا للشهور العجمية، ولكن السنة العربية والشهور العربية أفصح فى ذلك، لقوله تعالى
ناپیژندل شوی مخ