931

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

ژانرونه
General Exegesis
Ibadi

اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء

الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها، وغمامة من تحتها، وهم ينظرون اليها، وهى تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، واليهود ينظرون اليها، ينظرون الى شىء لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام ليقم أحسنكم عملا، ويكشف عنها وذكر اسم الله ويأكل منها، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين أنت أولى بذلك منا، فقال عيسى فتوضأ وصلى صلاة طويلة، وبكى كثيرا، ثم كشف المنديل عنها وقال باسم الله خير الرازقين، فاذا هو بسمكة مشوية، ليس عليها فلوس ولا شوك، تسيل دسما وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحواليها من ألوان البقول ما خلا الكراث، واذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثانى عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى ليس من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، ولكنه شىء افتعله الله بقدرته العالية، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، فقالوا يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى معاذ الله أن آكل منها، انما يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى عليه السلام أهل الفاقة، وأهل البرص والجذام، والمقعدين والمبتلين، فقال كلوا من رزق الله، ولكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها ألف وثلثمائة من رجال ونساء حتى شبعوا، ثم نظر عيسى الى السمكة، فاذ هى كهيئتها حين نزلت من السماء، ثم طارت الى السماء ينظرون اليها حتى توارت، فلم يأكل منها مبتلى الا عوفى، ولا فقير الا استغنى، ولم يزل غنيا حتى مات وندم الحواريون، ومن لم يأكل منها. وكانت اذا نزلت اجتمع اليها الأغنياء والفقراء، والكبار والصغار، والرجال والنساء، ولما رأى ذلك عيسى عليه السلام جعلها نوبة بينهم، فلبث أربعين صباحا تنزل ضحى فلا تزال منصوبة، يؤكل منها حتى يفىء الفىء طارت ينظرون فى ظلها تنزل يوما، ولا تنزل يوما فأوحى الله الى عيسى عليه السلام اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شككوا الناس فيها. ويروى أنه لما قال كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، فقال الحواريون يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى عليه السلام يا سمكة احيى باذن الله، فاضطرت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها، ففزعوا فقال عيسى عليه السلام ما لكم تسألون أشياء، فاذا أعطيتموها ما أخوفنى عليكم أن تعذبوا يا سمكة كونى كما كنت باذن الله، فعادت كما كانت السمكة مشوية، فقالوا يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال معاذ الله انما يأكل منها من سألها الى آخر ما مر، ولما عظم على الأغنياء تخصيص الفقراء بها بعد اشتراكهم، صعب عليهم فقالوا للناس أترون أن المائدة تنزل من السماء حقا، فأوحى الله عز وجل الى عيسى عليه السلام أنى شرطت أنه من كفر بها بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فزعم بعض أن عيسى قال فى ذلك

ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم

فمسخ الله منهم ثلثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات، يأكلون العذرات. ولما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى عليه السلام وبكوا، ولما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف به، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم لا يقدرون على الكلام، وماتوا لثلاث ليال.

وعن ابن عباس فى المائدة كل طعام الا اللحم وعنه خبز وسمك يأكلون منها أين ما نزلوا ومتى شاءوا، وقيل مسخ منهم ثلاثة وثمانون، وقيل لما شرط الله عليهم فى انزالها تعذيب من لا يؤمن بها عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين استعفوا وقالوا لا نريد فلم تنزل، وأن معنى { إنى منزلها } أى أنزلها على ذلك الشرط ان قبلتم فلم يقبلوا، فلم تنزل، وعن الحسن والله ما نزلت، ولو نزلت لكانت عيدا الى يوم القيامة، والصحيح أنها نزلت وهو الموافق لقوله تعالى { إنى منزلها عليكم } وهو رواية عن مجاهد، والأخرى عنه كقول الحسن، وعن مجاهد أنها لم تنزل ولم يكن الكلام فى المائدة حقيقة، ولكن المائدة مثل ضربه الله لمقترحى المعجزات. قال القاضى، وعن بعض الصوفية المائدة هاهنا عبارة عن حقائق المعارف فانها غذاء الروح، كما أن الأطعمة غذاء البدن، وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا فى حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها، فقال لهم عيسى عليه السلام ان حصلتم الايمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها، فلم يقطعوا عن السؤال وألحوا فيه، فسأل لأجل اقتراحهم، فبين الله تعالى أن انزالها سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فان السالك اذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله، ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيدا.

[5.116]

{ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس إتخذونى وأمى إلهين من دون الله } هذا يوم القيامة، لتحقق الوقوع بعد كان اللفظ بصيغة الماضى، كأنه قال ومضى القول، أو استعمل صيغة الماضى فى الاستقبال مجازا، وذلك قول الجمهور، أنه يوم القيامة وقال السدى قال الله هذا يوم رفع عيسى الى السماء، وبعد رفعه قال قومه ذلك، والصحيح الأول. والاستفهام توبيخ لقومه وتقرير له ليقر فيفتضحوا، وانما قال { وأمى } لأن من النصارى من قال ان أمه اله كما مر، ولأن أم الانسان أقرب الى الانسان فى ماله { من دون الله } متعلق باتخذونى، أو نعت لالهين، ومعنى دون المغايرة فيكون تلويحا الى أن عبادة الله مع غيره كلا عبادة، فعبادتهم عيسى وأمه تذهبان بعبادة الله جل وعلا، كأنه عبدوهما ولم يعبدوه، فان من أثبت الألوهية لغير الله تعالى فقد نفاها عن الله تعالى، ولو أثبتها له مع غيره، لأن الألوهية لا تتعدد، والألوهية المتعددة ليست ألوهية لله تعالى، أو معناه القصور فيكون تلويحا الى أن عبادتهما ليست بالذات، انما هى ليتوصل بها الى عبادة الله سبحانه وتعالى، ويجوز أن يتعلق بمحذوف حال من واو { إتخذونى } أى اتخذونى وأمى الاهين ثابتين من دون الله أى متجاوزين عن ألوهية الله ومعبوديته، أو حال من ياء اتخذونى ومن أمى. { قال } عيسى. { سبحانك } أنزهك تنزيها عن أن يكون لك شريك فى الألوهية أو غيرها، وعن كل نقص، واذا سمع عيسى عليه السلام ذلك الخطاب ارتعدت مفاصله، وانفجرت من تحت كل شعرة منه عين من دم وقال سبحانك. { ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } أى ما لا يحق لى أن أقوله، ولى متعلق بليس على جواز التعليق بكان وأخواتها، أو بمحذوف حال من حق ولو نكرة لتقدم الحال، ولتقدم النفى ولو جر، لأن هذا الجار صلة للتأكيد. { إن كنت قلته فقد علمته } تعلم كل شىء لا يخفى عنك شىء، وهذا أدب عظيم اذ أسند العلم اليه تعالى، وهو أقوى له حجة، اذ جعل علم الله كافيا عن جوابه، ولم يقل كما أن قوله { سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } اذ لم يقل ما قلت ذلك، ولكنه نزهه تعالى عن أن يقول فيه ذلك. { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } تعلم ما أخفيه فى نفسى، أو ما فى ذاتى داخلا، كما تعلم ما أظهره وما ظهر من بدنى، ولا أعلم ما فى غيب معلوماتك، فسمى غيب معلوماته نفسا للمشاكلة لقوله { ما فى نفسى } وقيل المعنى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسى، وأضاف نفسه للكاف وهو ضمير لله، لأنها ملك لله تعالى، وهو خالقها.

قال أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة، وهذا لعمرى سائغ لأن المدار على نفس الانسان انتهى، ولا يجوز أن يقال ما فى نفسك ما فى ذاتك، لأن الله تعالى لا يكون ظرفا لغيره، ولا تثبيت الكلام النفسى، ولا نقول صفاته غيره حالة الا أن يقال المعنى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم نفسك، أى ذاتك أو لا أعلم حقيقة أمرك، قال الزجاج تعلم حقيقة أمرى ولا أعلم حقيقة أمرك، فجىء بما، وفى تجوز كقوله تعالى

لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة

ناپیژندل شوی مخ