675

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

ژانرونه
General Exegesis
Ibadi

[3.192]

{ ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته } فلا تخزنا بإدخال النار، والخزى الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، وكل ما كان كذلك فهو خزى، وإيقاعه إخزاء، فكان من جاب قولهم " من أدرك مرعى الضمان فقد أدرك " أى أدرك المرعى العظيم، والضمان جبل كثير المرعى فكان المعنى فقد أخزيته غاية الإخزاء، والله تبارك وتعالى وعز وجل عالم بأنه من أدخله هو النار فقد أخزاه، وعالم بأنهم عالمون بذلك فلا يفيدونه بذلك الكلام شيئا، فالمقصود الدعاء بالتنجية من الإخزاء والتأثر بهوله، وهذه الآية تدل على عظم العذاب اللاحق بالقلب، بنحو الذل والفضيحة من عذابه اللاحق له باصابة جسد صاحبه، بل على أنه أعظم لأنهم اشتكوا به خصوصا من جملة عذاب النار المفروض وقوعه بعد ذكر وقوعه. { وما للظالمين } أى للمشركين إن الشرك لظلم عظيم ولكل مصر لأنه ظالم لنفسه أو لها ولغيره. { من أنصار } يدفعون عنهم النار، فالآية دلت على أن من دخل النار لا يخرج منها بشفاعة ولا بغيرها، إذ المعنى لا ينصرهم الله ولا غيره، فإن النصر ولو كان دفعا بقهر، والشفاعة توصل بلين، لكن لو كان يشفع صلى الله عليه وسلم للمصر فيخرجهم منها لكان دفعا لملائكة النار عنهم بقهر لأنهم إذا عملوا بتشفيع الله إياه، أذعنوا وقد كانوا من قبل حريصين على تعذيبهم، ويجوز أن يكون الظالمين فى موضع المضمر، أى وما لهم، أى لمن تدخل النار، روعى لفظه من { ما } فرد الهاء، ومعناه، وجمع الظالم وحكمة وضع { الظالمين } موضع الضمير الإشعار بأن الظلم علة عدم النصر عزا فلا ناصر لهم من دخولها، ولا ناصر لهم يخرجهم.

[3.193]

{ ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان } يقدر مضاف، أى سمعنا نداء مناد وهو صوته، أو سمعنا صوت مناد، أو كلام مناد، وذلك أنه إنما تسمع الأصوات لا جسم المتكلم، ولكن حذف ذلك تأكيدا حتى كان جسم الإنسان المنادى دخل أسماعهم، كما يدخلها الصوت، وجملة ينادى نعت لمناديا، على قول مجيز نعت الوصف أو نعت لموصوف محذوف أو حال منه، أى إنسانا مناديا ينادى للإيمان، وهذا الجملة تكون نعتا لنكرة أو حال من معرفة أو من نكرة مسوغة بعد لفظ " س م ع " عند الجمهور. ومفعولا ثانيا عند الفارسى، وعليه فينادى مفعول لسمع، وأكد أمر المنادى بتنكيره، كأنه قيل مناديا عظيما، وبوصفه بجملة ينادى وبتقيده بالإيمان بعد إطلاق، وذلك أنه يتبادر من المنادى أنه المنادى للحرب وأنه لإطفاء نار أو إغاثة لهفان مثلا فى الجملة، فإذا قيد بالإيمان، فقد رفع شأنه والمنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الذى يدعو الخلق حقيقة، قال الله جل وعلا له

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة

وقال

وداعيا إلى الله بإذنه

وذلك قول الجمهور وابن عباس وابن وابن جريج وغيره، وقال محمد بن كعب القرظى المنادى كتاب الله وليسوا كلهم رأوا النبى صلى الله عليه وسلم وسمعوه وإسناد النداء إلى القرآن ولو كان مجازا، لكنه من المجاز المشهور المتعارف، فشملت الآية من ذلك صفته، ممن مضى أو يأتى وعدى النداء باللام لأنها دلت على الانتهاء والاختصاص فذلك فى معنى { إلى } فلا حاجة إلى أن يقال إن اللام مستعملة بمعنى { إلى } فلذا يتعدى النداء، والدعاء والعود والإيحاء والهداية باللام، وبالى وذل أنلك إذا قلت مثلا دعوت الناس للخير، فكأنك قلت دعوتهم ليتناوله، وإنما يتناول الشىء من انتهى إليه، ووصل إليه. { أن آمنوا بربكم } أن حرف تفسير لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهى ينادى أو مصدرية، على إجازة دخولها على الطلب، وعليه فتقدر الباء أى بأن آمنوا. { فآمنا ربنا } أى فامتثلنا يا ربنا، قال أبو الدرداء، رحم الله المؤمنين، ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم، وكذا عن الحسن ولعله روى عنه يجوز أن يكون قوله { ربنا } مسلطا على قوله { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } لأن { ربنا } جملة إذ معناه ادعوا ربنا، لإنشاء الدعاء، فيكون من تقديم جملة أصلها التأخير للابتهال باسم الله والتلذذ به، فقس على هذا، أو مسلطا على محذوف، أى افعل لنا ذلك فاغفر لنا وإذا سلط على { فاغفر } إلخ فقوله { ربنا }.

[3.194]

{ ربنا } مسلط عليه أيضا تأكيدا، وإن لم يسلط عليه فالثانى مسلط عليه بلا تأكيد اصطلاحى، وأما التأكيد المعنوى فموجود مطلقا، اذكروا ربنا مبالغة فى الدعاء، ودلالة على أن كل مطلوب من تلك المطالب غير الآخر ومسلط على محذوف، أى ربنا افعل لنا من ذلك المذكور من الغفران وما بعده أو على قوله { وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } وإذا لم يسلطا على ما بعدهما ولا على محذوف بل جعلا تأكيدين كل تأكيد لسابقه أو سلطا على ما بعدهما، فما بعدهما معطوف على ما قبلهما، وإذا سلطا على محذوف فما بعدهما معطوف على ذلك المحذوف والمراد بالذنوب الكبائر، وبالسيئات الصغائر، لأن الصغائر ولو كن يكفرن باجتناب الكبائر، لكن لا يتحقق لهم أنهم قد اجتنبوا الكبائر، ولعلهم قد قصروا، أو كان بعض الذنوب لا يدرون أنها كبائر أو صغائر، أو اعتقدوا أنها غير كبائر، فقد قال قوم بجواز ظهور الصغائر، ويدرون لعل توبتهم من بعض الكبائر لم تقبل، وظهر لى تقرير آخر، وهو أن يراد بالذنوب الكبائر والصغائر، وكذا يراد بالسيئات، وكرر تأكيدا لأنه ينبغى التكرير فى الدعاء رغبة، ثم رأيته قولا والحمد لله. وقيل كذلك أيضا، لكن اغفر لنا ذنوبنا أرادوا فيه ما مضى من ذنوبهم، وكفر عنا سيئاتنا أرادوا فيه ما يأتى منها، وقيل كذلك أيضا الغفران فيما يزول بالتوبة والتفكير فيما يزول بالطاعة ومعنى التوفى مع الأبرار أن يميتهم مقدرا أن يكونوا معهم فى الجنة، و { مع } على هذا متعلق بمحذوف حال مقدرة، أو أن يميتهم والحال أنه يجعلهم. اسم الأبرار والمفرد بر، غير مخفف من بار، كرب وأرباب، والمفرد بر مخففا، من بار المفرد بار، وكلاهما كصاحب وأصحاب، والأبرار الأنبياء والصالحون. قال الحسن طلبوا غفران ما مضى من الذنوب والسيئات والعصمة فيما بقى. ومعنى { ما وعدتنا على رسلك } ما وعدتنا على ألسنة رسلك، أو ما وعدتنا على تصديق رسلك، فحذف المضاف. و { على } متعلقة بوعدتنا فى الوجهين. وزعم بعض أنه يتعلق فى الأول بآمن والمعنى على الثانى أجرة التصديق ويجوز تعليقه بمحذوف جوازا، والمحذوف حال، أى ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو محمولا عليهم، وصاحب الحال { ما } أو رابطها المحذوف، ومعنى محمولا على رسلك أنهم يحملون جميع ما أنزل إليهم، إنما عليه ما حمل، وإن كسرت زاى منزلا كان حالا من التاء فى { وعدتنا }. سألوا إنجاز الوعد مع علمهم أنه - تعالى - لا يخلف الوعد تضرعا إليه بالسؤال وإظهار الحاجة إليه تعالى، أو تعبدا أو خوف ألا يكونوا ممتثلين ما أمروا به، مجتنبين ما نهوا عنه لتقصير.

ناپیژندل شوی مخ