هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع فى الأرض. قال " المسجد الحرام " قلت ثم أى؟. قال " المسجد الأقصى ". قلت كم بينهما؟ قال " أربعون عاما " ثم جعلت الأرض مسجدا فحيثما أردت الصلاة فصل "
وعن مجاهد خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفى عام. وفى رواية عنه أن الله خلق موضع البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفى عام. وقيل هو أول بيت ظهر على وجه الماء خلقه قبل الأرض بألفى عام درة بيضاء فدحيت الأرض من تحتها، وهذا قول ابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسدى وقيل أول بيت بنى على الأرض. وروى على بن الحسين بن على أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتا، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وروى أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفى عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت الملائكة بر حجك يا آدم، وكأنه خطر فى قلبه عظم الحج الذى حج، فقالوا له لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام. وقيل لما هبط آدم إلى الأرض استوحش، وشكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة، فبناها وطاف بها ولما جاء الطوفان رفع الله البيت إلىالسماء، وبقى موضع البيت أكمة بيضاء إلى أن أمر الله إبراهيم ببنائه، وقد أودع الحجر الأسود فى جبل أبى قبيس فأخرج له منه، وقيل كان فى موضع البيت قبل آدم بيت يقال له الضراح تطوف به الملائكة، فلما أهبط آدم، أمر بأن يحجه ويطوف حوله، ورفع فى الطوفان إلى السماء الرابعة، يطوف به ملائكة السماء، ويرد أن الآية فى تعظيم الكعبة على بيت المقدس فلا وجه لحمل الآية على تعظيم الضراح. { مباركا } من الضمير المستتر فى قوله { ببكة } ، لأن الأصل ثبت ببكة، أو من الذى بناء على الحال من الخبر، ولو لم يكن مبتدأ إشارة لأمن الضمير فى { وضع } لرجوعه إلى البيوت الموضوعة للناس، فإنه يفسد دعوى رجوعه إليه بقوله
فيه آيات بينات مقام إبراهيم..
إلخ، فصح عود { مباركا } إلى ما هو الكعبة، لأنها التى عندها مقام إبراهيم وغيره مما قصد بالآيات البينات، ومعنى كونها بيتا مباركا، أن الله جل وعلا فيها زيادة الخير الكثير والنفع لمن حجها واعتمرها، واعتكف عندها، وطاف حولها، فهو أول بيت خص بزيادة الخير، ومن ذلك تضاعف الثواب، قال صلى الله عليه وسلم
" صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام "
، ومن ذلك زيادة تكفير الذنوب، لكن من لازم ذلك عظم الأجر فيه على الذنب فى غيره، كما عدت على الأنبياء أشياء ذنوبا، ليست ذنوبا على لعظم شأنهم. { وهدى للعالمين } عطف على { مباركا } مبالغة، إذ ليس هاديا الهدى، أو يقدر ذا هدى، أو هاديا، ومعنى كونه هاديا أنه يرشد الله العالمين إلى صلاحهم الدينى، باستقبالهم له إذ يدخلون الجنة باستقباله فى الصلاة مع إقامة الفروض بالطواف والعبادة عنده، وبالآيات البينات التى عنده ومقام إبراهيم كما ذكر بعد، تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ لا يقدر عليها غيره.
[3.97]
{ فيه آيات بينات } أى فى شأنه آيات بينات، فشملت الآيات البينات الحرم كله، لأنها كلها تسبب بالكعبة، واتصال لا ما يختص بالكعبة فقط، ذلك المجموع مقام إبراهيم، وأمن داخل الحرم وكون الكعبة لا يقصدها أحد إلا قصم، وكون الطيور لا تمر فوق الكعبة عند طيرانها فى الهواء، بل تحط عنها يمينا وشمالا عند موازاتها، وهذا أمر مشاهد. ومن ذلك أن سباع الوحش والطير إذا تبعت صيدا ودخل الحرم رجعت، حتى الكلاب لا تهيج الظباء، وأن مرضى الطيور تستشفى بالكعبة. ولا يشكل على ذلك هدم الحجاج الكعبة، ورميه داخل المسجد عند محاربته لعبد الله بن الزبير، إذ تحصن عبد الله بالمسجد لأنه هدمه ليبنيه أجود فى زعمه والرمى للحرب لا مهاونة بالكعبة، ومن ذلك الحجر الأسود، والملتزم، والحطيم، وزمزم، وعرفة، والمزدلفة، ومن المشروعات من أحل عمارة الكعبة بالعبادة، وأن بانيه إبراهيم وابنه إسماعيل وما ذكرته من أن الضمير فى قوله { فيه آيات بينات } للبيت، وهو الكعبة على أن المراد فى شأنه أولى من كونه للبيت على أن المراد بالبيت الحرم تجوز العلاقة الجوار، لأنه لا تشمل الآيات على هذا إلا آيات ما جاور البيت، وهو الحرم، ولا تشمل آيات نفس البيت، أو تجوز بطريق إطلاق الجزء وإرادة الكل، لأن هذا مجاز، والذى قبله كذلك، وجملة { فيه آيات بينات } مستأنفة، بين بها البركة والهدى، أو حال أخرى، وأجاز بعض أن تكون نعتا لهدى على أنه قد نعت بقوله { للعالمين } وعلى أن الضمير لهدى، لا للبيت، لكن الهدى مراد به البيت. { مقام إبراهيم } مبتدأ خبره محذوف أى منها مقام إبراهيم، لا بدل بعض من البيت لعدم الرابط، وتقدير مقام إبراهيم منها على أن يكون منها حالا من مقام وما رابط تكلف، ويجوز كونه بدل كل، باعتبار عطف مقدر، أى مقام إبراهيم وكذا وكذا، حذف ذلك دلالة على الكثرة، وإبدال المعرفة من المنكرة جائز، ويجوز أن يكون مقام إبراهيم بدل كل من آيات بينات، بلا تقدير عطف على أن المراد بالآيات البينات، هى المقام وحده لاشتماله على الآيات، وكذا إذا قيل إن المقام هو الحرم كله، كما قال بعض، وبهذا التقرير جاز كونه عطف بيان لآيات، وذلك أن المقام صخرة صماء أثر القدم بالغوص فيها، وكان الغوص إلى الكعبين وخصت بالتلين عن سائر الصخور، وبقى الأثر إلى الآن دون آثار سائر الأنبياء، وعدم زواله أو زوالها، مع مضى مدة طويلة هى ألفان وثمانمائة سنة وثلاث وتسعون سنة إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعمت اليهود - لعنهم الله - أن ذلك ألفان وأربعمائة سنة واثنتان وأربعون سنة، مع كثرة أعدائه، ولو كثر أيضا مدعو حبه ، ومع تداول الأيدى عليه وعبارة بعض، أن فيه أثر قدمى إبراهيم عليه السلام، وأنه دثر لمسح الأيدى، ويجوز أن يكون بدل كل، أو بيان، تنزيلا للمقام منزل آيات كثيرة، لظهور شأنه ودلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام، كما قال إبراهيم إنه أمة على أحد أوجه قوة فى كونه أمة، ويجوز ذلك أيضا، على تنزيل قوله { ومن دخله.
. } إلخ منزلة ذكر الآية أخرى، كأنه قال وأمن داخله وذلك اثنتان وهما أقل الجميع مجازا، وحقيقة خلاف ويدل على أن البدل بدل كل، أو على أن مقام عطف بيان قراءة ابن عباس، وأبى، ومجاهد، وأبى جعفر المدنى، وفى رواية قتيبة آية بينة بالإفراد وعليها، فيجوز أن يقدر هى مقام إبراهيم، وسببه هذا الأثر الذى فى الصخرة أن إبراهيم عليه السلام لما أسكن هاجر، وابنه إسماعيل فى وادى مكة، واد غير ذى زرع، وانصرف إلى الشام، جاء بعد زمان، زائرا من الشام، إلى مكة. فقالت له امرأة إسماعيل إنزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل، فأرادت أن ترجله وهو راكب، فوضعت حجرا على الجانب الأيمن، فوضع إبراهيم قدمه عليه حتى غسلت إحدى جانبى رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر حتى غسلت الجانب الآخر، ورجلته فأثرت قدمه فيه، فهو أثر واحد اجتمعت فيه قدماه، إلا أن ذلك الأثر اندرس من كثرة المسح بالأيدى، وقيل هو الحجر الذى قام عليه إبراهيم عليه السلام عند الأذان بالحج، إذ قال له ربه
وأذن فى الناس بالحج
ناپیژندل شوی مخ