هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
فإن أمن بعضكم بعضا
الإية، ونسب لأبى سعيد الخدرى، وقال الشعبى والنخعى وجماعة من التابعين غير منسوخ، قالوا نرى أن نشهد ولو على جوزة بقل، وذلك أنهم قالوا الأمر والنهى فى ذلك للوجوب والتحريم، ونسب للجمهور أنهما فى ذلك للندب والتنزيه، فلم ينسخا، وعن الحسن إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، وعن الضحاك عزيمة من الله ولو على باقة يقل، وكان بن عمر إذا اشترى بنقد أو نسيئة أشهد. { ولا يضار كاتب ولا شهيد } بالقهر على الكتاب أو الشهادة مطلقا أو فى وقت يتيسر له كالليل، ووقت القيلولة والمرض والصلاة، وشدة البول أو الغائط عليه، واشتغاله بما لا بد منه، ككتب ما يفوت أو بعد إعطائه أجره، أو بدعائه إلى أن يشهد أو يكتب ما اعتقد كراهته أو حرمته أو رأيه، أو أن يكتب شهادة من تجوز شهادته أو يحصل له ضرر أو لغيره بكتابته، أو شهادته، لا يلح عليه صاحب الحق فيقول إن الله أمر كما أن تحبيبانى، ولا أجرة لمن يحمل الشهادة إلا من بعيد على حملها، وقيل له أن يأخذها والأصل يضار بفتح الراء الأولى وإسكال الثانية كما قرأ به بن عباس رضى الله عنهما على الجزم، ولا ناهية سكنت الأولى تخفيفا، وفتحت الثانية للتخلص من التقاء الساكنين، وكان بالفتح تخفيفا والفعل مبنى للمفعول، ويجوز أن يكون المعنى لا يضر شاهد ولا كاتب من له الحق أو عليه للامتناع من الكتابة والشهادة مع إمكانهما وتيسرهما وعدم حرمة أو كراهة ما يكتب أو يشهد عليه، أو بالنقص من حقه، أو تأخير الأجل وبإثباته، ولم يعقد عليه أو إزالته، وقد عقد عليه أو تقديمه أو بزيادة على الحق، وعلى هذا فالأصل يضارر بكسر الأولى وإسكان الثانية كما قرأ به عمر رضى الله عنه، وهو مبنى للفاعل، وأدغمت الأولى فيها وفتحت تخليصا من التقاء الساكين، وتخفيفا، وتقدم الكلام فى قوله تعالى
ولا تضار والدة بولدها
وصيغة المفاعلة بين الاثنين فى الآية لموافقة المجرد أو للمبالغة، لكن المبالغة عائدة إلى النهى، وقرأ الحسن ولا تضار بكسر الراء والتشديد، وهو محتمل للبناء للفاعل والمفعول كقراءة الجمهور، إلا أنه كسر على أصل التخلص. { وإن تفعلوا } ما ذكر من المضارة أو ما نهيتهم عنه مطلقا فى الآيات السابقة، وهو قول من قال إن الإشهاد والكتابة والمطاوعة الكتابة والشهادة واجبات. { فإنه } أى فعليكم والضرر. { فسوق } أى خروج عما حده الله تبارك وتعالى وعز وجل. { بكم } أى منكم أو الباء للالصاق وهو متعلق بمحذوف نعت لفسوق، أى ثابت معكم جزاءه لا يفارقكم، أو صادر منكم ولاحق بكم من الشيطان والنفس. { واتقوا الله } أى عقابه بترك المعصية. { ويعلمكم الله } علم الشريعة لتتوصلوا به إلى مصالح دنياكم وأخراكم، والجملة مستأنفة، ومن جاز أن يكون الحال جملة فعلية فعلها مضارع مثبت مجرد، وقد مقرونة، فواو الحال أجاز أن تكون هذه الجملة حالا مقدرة. { والله بكل شىء عليم } من جملة ذلك علمه مصالحكم وتعليمه إياكم علم الشريعة، وعلمه بأن التقوى من أسباب العلم كما قال يوسف { مما علمنى ربى إنى تركت ملة } الآية وعن ابن القاسم صاحب مالك فى المسائل التى سمعها منه فى عتبة الدار سمعت مالك يقول ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله بالحكمة، وقال أبو عمر وابن عبد البر روينا عن مسروق كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه. قال أبو عمرو وإنما أعرفه بعلمه. ومقتضى الظاهر واتقوا الله ويعلمكم الله وهو بكل شئ عليم، ولكن أظهر للتعظيم، ولكون كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة، الأولى فى الأمر بالتقوى، والثانية فى الوعد بالإنعام، والثالثة فى تعظيم شأنه سبحانه وتعالى، والتهديد على أنه لا تخفى عنه طاعة المطيع ومعصية العاصى.
[2.283]
{ وإن كنتم على سفر } أى مسافرين، لأن من كان فى سفر صح أن يقال إنه على سفر تشبيها له بمن كان فوق جسم ممتد، ويجوز كون على بمعنى فى، ويقدر مضاف أى على أرض سفر أو موضع سفر، والخطاب لمن تداينوا، أو يجوز أن يقدر وإن كنتم على سفر وتداينتم، ويدخل فى ذلك بالمعنى كل عذر. { ولم تجدوا كاتبا } من يكتب إما بالذات بأن لم يوجد إلا من لا يعرف أن يكتب، وإما بأن لم يوجد آلة الكتابة. وقرأ ابن عباس وأبى كتابا بكسر الكاف وتخفيف التاء قال ابن عباس أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدوات؟ وقرأ أبو العالية كتبا بضم الكاف والتاء وجمع كتاب لكم متداينين بكتاب، قرأ الحسن كتاب بضم الكاف وتشديد التاء جمع كاتب. { فرهان مقبوضة } فالذى يستوثق به رهان مقبوضة أو فعليكم رهان مقبوضة بأن تأخذوها يا من لهم الدين وتمكنوهم منها يا من عليهم الدين، وفتؤخذ رهان مقبوضة، أو فرهان مقبوضة بيستوثق بها، وأصل الرهن الدوام، يقال رهن شئ أى ذات وثبت قال الفقهاء إذا خرج الرهن من يد المرتهن إلى يد الراهن بطل، لأنه فارق ما جعل له، ورهان جمع رهن بمعنى المال المرهون، ككعب وكعاب، وبغل وبغال، وثمر وثمار، وقرأ ابن كثير وأبو عمر فرهن بضم الراء والهاء تخفيفا، وكلاهما جمع رهن بمعنى مال مرهون، قال مجاهد والضحاك، لا يجوز الرهن إلا فى السفر وإلا مقبوضا لظاهر الآية، ويرد قولهما إنه صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودى فى غير السفر، وهذا دليل الجمهور على جواز الرهن فى الحضر، والحديث مبوط فى شرح النيل، وإنما علق الرهن فى الآية بالسفر لأنه مظنة لفقد الكاتب، والشهود، وتليق الحكم بناء على الغالب كثير كأنه قيل إن فاتكم التوفيق فى السفر بالكتابة لم يفتكم الرهن، والجمهور على اشتراط القبض فى الرهن، وإجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض، وجاز بغبض وكيل المرتهن، وقبض المسلط، وعلى شرط القبض، فقيل إن وقع بلا قبض يطل، وقيل يجبر الراهن على إقباضه للمرتهن، وقال الحكم ابن عينية لا يصح قبض الوكيل وذلك أن يوكل على القبض، وأما أن يوكل على المداينة ولارتهان فجائز قبضه إجماعا. { فإن أمن بعضكم بعضا } إن أمن الذى له الحق من عليه الحق ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به، أو لم يكتب أيضا ولم يشهد. { فليؤد الذى اؤتمن أمانته } الذى اؤتمن هو من عليه الحق، والأمانة هى ذلك الحق، سمى آخذ الدين مؤتمنا مع أنه مضمون فى ذمته، لأنه قد أمنه من له الدين ولم يخف حجوده حتى إنه لم يشهد عليه به، ولم يكتبه ولم يرتهن منه، ولذلك سمى الدين أمانة، وأضاف الأمانة إلى الدين أؤثمن لأنها عنده وفى ذمته، والواو فى اؤتمن فى الخط تقرأ فى الوصل ياء ساكنة سكونا ميتا، وتمد به ذال الذى، وتحذف لالتقاء الساكنين، وهذه الياء التى تمد بها الدال هى بدل من الهمزة التى هى فاء الكملة، وهى همزة أمن، وكتبت الواو لأنه لو بدأ بما بعد الذى لقلبت تلك الهمزة واوا هذا ما يناسب تقرير مذهبنا معشر المغاربة فى التلاوة وهو ما حقيقته من كتب أبى عمرو والدانى وابن بر وغيرهما، والشمارقة من قرائهم يقرءون الذى أوتمن بهمزة ساكنة بين همزة الوصل والتاء ويوصلونها بالذال لفظا، ويحذفون ياء الذى لفظا، وبعضهم يقرأ كما نقرأ وقرأ الذى اتمن بتشديد التاء قلبا للهمزة التى هى فاء الكلمة، وتاء أو إدغامها فى التاء، فقال القاضى إنه خطاء لأن الياء المنقلبة عن الهمزة فى حكم الهمزة فلا تقلبت تاء، أعنى إنما تقلب الياء تاء وتدغم فى اء الافتعال إذا ابدلت عن واو، وهى فاء الكلمة، أو عن ياء كذلك كالتعد والتسر من الوعد واليسر، قلت ولعله صح ذلك عند قارئه من الشاذ، كما قال ابن مالك وشذ فى ذى الهمز نحوا تزرء ومن حفظ حجة، والحوطة عند القاضى، لأنه لو صح ذلك عند قارئه شاذا ما الداعى إلى قراءته به، ولو قرأ به فى رواية، فما الداعى إلى العدول عن القراءة الفصحى، بل قال فى الكشاف اتزر عامى ونسب تلك القراءة إلى عاصم.
{ وليتق الله ربه } فيقضى ما عليه من الدين بلا حجود ولا مما طلة عند حلول الأجل، بل بإحسان ودعاء كما أحسن إليه إذ لم يرتهن منه، ولم يشهد عليه فانظر كيف أكد الله عز وجل الأداء بأن ذكر المديان باسم المؤتمن إذا حسن إليه صاحب الدين ولم يشدد عليه برهن وشهادة وكتابه، فكيف يقصر فى القضاء مع هذا الإحسان، وبأن حذره بقوله وليتق الله من عقوبة التقصير فى القضاء، وبأن ذكر لفظ الجلالة فى هذا التحذير الجامع لصفات القهر والعظمة والجلال وبأن أبدل منه لفظ ربه تذكيرا له لأن عصيان مربيه بأنواع التربية فى غاية الوقاعة، قال ابن العربى روى أن أبا سعيد قرأ هذه الآية فقال هذا نسخ لكل ما تقدم من الكتب والإشهاد والرهن، وعن ابن عباس ليس فى آية المداينة نسخ، ثم رجع الكلام إلى خطاب الشهود بقوله { ولا تكتموا الشهادة } إذا دعاكم صاحب الحق لأدائها، لأن كتمها إبطال لحقه، وهذا أولى من أن يقال إن الخطاب لمن عليه الحق نهى عن أن يترك الإقرار على نفسه، والشهادة عليها، لأن الشهادة قد ذكرت قبل هذا على أصلها فليجمل ما هنا عليه، ولو كان الحمل على القرار أيضا جائز، كما سمى الإقرار شهادة فى قوله تعالى
كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم
وقوله
وأشهدهم على أنفسهم
ناپیژندل شوی مخ