هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ألم تر إلى الملإ } الجماعة المجتمعين للمشورة، سموا ملأ لأنهم أشراف يملؤن العيون هيبة ويملئون القلوب بما يحتاج إليه من قولهم { من بنى إسرائيل } من للتبعيض متعلق بمحذوف حال من الملأ. { من بعد موسى } أى بعد موته، من للابتداء متعلق بما تتعلق به الأولى، وجاز ذلك بلا تبعية لاختلاف معانيهما. { إذ قالوا } متعلق بمحذوف تعجيبا بهذا المحذوف، ب { ألم تر } ، وتقريرا له على ما مر، أى لم ينته علمك أو نظرك إلى قصة الملأ أو حديث الملأ، إذا قالوا أو صح التعليق بقصة أو حديث، لأن فيه رائحة الحدث، وإنما قدرنا ذلك، لأن الذوات لا يتعجب منها، ولا تقرر، بل من حالها فلا تعلق بتر { لنبى لهم } يوشع بن نون بن أفرابيم بن يوسف بن يعقوب، وقال السدى شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لؤى بن يعقوب، سمى شمعون لأن أمه دعت لله أن يرزقها غلاما، فاستجاب الله لها فولدت غلما فسمته شمعون، ومعناه سمع الله دعائى وتبدل السين بالعبرانية شينا، وقال الجمهور، وعليه بن إسحاق أشموئل بن مالى بن علقمة بن صاحب بن عموص بن عزاريا، وبه قال وهب، وقال مجاهد هو ابن هلقا، وقال مقاتل من ولد هارون، قال بعض سمعت من يسميه إسماعيل بالعربية أعنى يعربه بلفظ إسماعيل، وليس إسماعيل بن إبراهيم، لأنه متقدم على بنى إسرائيل { ابعث لنا ملكا } أقم لنا ملكا. { نقاتل فى سبيل الله } معه، والقتال إنما يتم بملك يدبر أمره، وينتظم به الشمل، وترجع إليه الكلمة عند الاختلاف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إذا اخرجتم للسفر فأمروا عليكم بعضكم "
، ذلك فى مطلق السفر، فكيف فى القتال أو فى السفر والقتال ونقاتل مجزوم فى جواب الدعاء، وقرئ بالرفع على أن الجملة حال مقدرة من ضمير الجر فى قوله { ابعث لنا ملكا } ، أى ابعث لنا مقدرين للقتال ملكا، وقرئ { يقاتل } بالمثناة التحتية، مع الجزم على الجواب، وبه مع الرفع على أن الجملة صفة لملكا، وسبب طلبه نبيهم أن يبعث لهم ملكا للقتال أنه لما مات موسى عليه السلام، وخلف بعده فى بنى إسرائيل يوشع ابن نون يقيم فيهم أمر الله، ويحكم فيهم بالتوراة، حتى قبضه الله، ثم خلف كالب بن يوقنا كذلك، ثم حزقيل كذلك، ولما مات حزقيل عظمت الأحداث فى بنى إسرائيل، حتى عبدوا الأصنام، وبعث إليهم إلياس، ودعام إلى الله، وبعده اليسع، وكانت أنبياء بنى إسرائيل تبعث لتجديد أمر التوراة ، ولما مات اليسع عظمت فيهم الخطايا، وظهر لهم عدو يقال له الباشاتا، وهم قوم جالوت، وهم بربر وسكنوا ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وهم العمالقة، فظهروا على بنى إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثير من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما، وضربوا الجزية على بنى إسرائيل، وأخذوا توراتهم، ولقى بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم، وكان سبط النبوة، قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى، وحبسوها فى بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بنى إسرائيل فى ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته أشموئيل ومعناه كمعنى إسماعيل، تقول سمع الله دائى، قال وهب بن منيه كان لأبى أشموئيل امرأتان إحداهما عجوز.
عاقر لم تلد ولدا قط، وهى أم أشموئيل، والأخرى قد ولد لها عشرة أولاد، وكان لبنى إسرائيل من عيد أعيادهم أقاموا شرائطهم فيه، وقربوا فيه القربان، فحضر أشموئيل وامرأته وأولاده العشرة ذلك العيد. فلما قربوا قربانهم أخذ كل واحد منهم نصيبا، وللعجوز العاقر نصيب واحد، فكان بينهما وما بين الضرائر الحسد والبغى، فقالت أم الأولاد للعجوز الحمد لله الذى كثرنى بولدى، وقللك، فحرنت العجوز لذلك حزنا شديدا، فلما كان عند السحر عهدت إلى متعبدها فقالت اللهم بعلمك وسمعك، كانت مقالة صاحبتى، واستطالت على بنعمتك التى أنعمت بها عليها، وأنت ابتدأتهم بالنعمة والإحسان، فارحم ضعفى وارزقنى ولدا تقيا رضيا، أجعله لك ذخرا فى مسجد من مساجدك، يعبدك ولا يكفر بك، ويطيعك ولا يجحدك، وإذا رحمت ضعفى ومسكنتى، وأجبت دوعتى، فاجعل لى علامة أعرف بها. فلما أصبحت حاضت، وكانت من قبل قد يئيست من الحيض، جعل الله لها ذلك علامة للولد، فألم بها زوجها فحملت وكتمت أمرها، ولقى بنو إسرائيل فى ذلك الوقت من عدوهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يشير عليهم، ويجاهدون عدوهم معه، وقد هلك سبط النبوة إلا هذه المرأة الحبلى ، فلما علموا بحملها تعجبوا من أمرها وقالوا لها إنما حملت نبيا، لأن الآيسة لا تحمل إلا نبيا، كسارة امرأة إبراهيم عليه السلام، فأخذوها فى بيت لئلا تلد جارية، فتبدل بغلام، ولما كبر الغلام سلمته ليتعلم التوراة فى بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، وتبناه، ولما بلغ أتاه جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ، وكان الشيخ لا يأمن عليه أحدا، فدعاه جبريل بصوت الشيخ يا أشموئيل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ وقال يا أبتاه رأيتك تدعونى، فكره الشيخ أن يقول لا، فيفزع الغلام، فقال يا بنى ارجع فنم، فنام ثم دعاه جبريل ثانية، فقال له الغلام دعوتنى؟ فقال نم، فإن دعوتك فلا تجبنى، فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل عليه السلام، فقال له اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، إن الله بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا تقاتل فى سبيل الله آية على نبوتك، وفى رواية وهب أنه قال فى الثانية إنى سمعت من السماء صوتا وليس فى البيت غيرنا، فقال له عيلا ارجع وتوضأ وصل، فإن دعيت باسمك فأجب وقل لبيك أنا طوعك، فمرنى أفعل ما تأمرنى به، فظهر له جبريل عليه السلام، وقال له اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله تعالى بعثك فيهم نبيا، فإن الله رحمهم بنبوتك ووحدة أمتكم حين تاهت عليها بضرتها، فلا أحد أشد منك اليوم عضدا، ولا أطيب ولادة، انطلق إلى عيلا وقل له إنك كنت خليفة على عباد الله ودينه، فقمت زمانا بأمره حاكما بكتابه، حافظا حدوده، فلما امتد سنك، ورق عظمك، وذهبت قوتك، وقرب أجلك، وصرت أفقر الورى إلى الله ولم ترل فقيرا إليه عطلت الحدود، وجرت فى الخصوم، وعملت بالرشاو المصانعات، وأضعت للخلق الحكومات، حتى عز الباطل وأهله، وذل الحق وأهله، وظهر المنكر، وخفى المعروف، وفشى الكذب، وقل الصدق، وما عاهدك الله على هذا ولا عليه أستخلفك فبئس ما ختمت به عملك، والله عز وجل لا يحب الخائنين، بلغه هذا وقم بعده بالخلافة، فمضى إليه ووبخه بذلك وبإحداثه فى القربات، وبسكونه مع فعل بنيه مع ما حرم الله، أمره الله لا يوبخه بذلك، فجاء العدو، فاستخلف عيلا بنيه على العسكر، فقتلوا وأخذا العدو التابوت فبلغه الخير، فوقع من كرسيه فمات كما يأتى، وطغى عليهم العدو، وذلك بعد ما قام فيهم أشموئيل عشر سنين، يدبر أمرهم { وقالوا ابعث لنا ملكا } الآية وقيل قال لهم أنا نبى الله إليكم مرسلا، وكانت أنبياء بنى إسرائيل تقيم أمر ملوكهم، وترشهدهم بالوحى من الله، والملوك تقوم بأمر الحرب وتطيع من الأنبياء، فقال لهم شموئيل لما طلبوا أن يبعث لهم ملكا للقتال ما حكى الله عنهم بقوله { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } معنى عسى قبل أن تدخل عليهم هل الاستفهامية توقع المتكلم لمضمون الخبر، وهو تركهم القتال جبنا ولما دخلت هل على عسى كان القياس أن ترجع الاستفهام والتقرير إلى نفس التوقع، إلا أنه لا معنى لاستفهام المتكلم عن توقع نفسه، ولو على سبيل التقرير، فتعين أن تكون هل للاستفهام عما هو متوقع عنده، وهو ألا تقاتلوا جبنا، ويكون معنى الاستفهام التقرير بمعنى التشبيه للتوقع، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمد على الإقرار وألا تقاتلوا خبر عسى، أى لعل أمركم عدم القتال، أو لعلكم ذو وعدم القتال، وقرأ غير نافع بفتح سين عسيتم، وكذا فى سورة القتال، واعترض بجملة الشرط بين اسم عسى وخبرها، وجوابه محذوف دلت عليه عسى واسمها وخبرها.
{ قالوا وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } ظاهر هذه الآية أنهم لم يخلصوا القتال لله، وأنهم يقاتلون فى سبيل الله فى قولهم لأجل أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم الجواب أنهم أرادوا الجهاد لوجه الله، وأن كلا منهم يجاهد لكون إخوانه المؤمنين مخرجين من ديارهم، وأبنائهم، لا لكونه أخرج من داره وأبنائه، فذلك إخلاص لله أو أن هذا الكلام صدر من عامتهم، والمخلصون يخلصون الجهاد لله، لا يعنون فيه أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وأنهم أجابوا نبيهم على عموم اللفظ، بمعنى أنه كيف لا نقاتل فإنه لو لم تكن رغبة فى القتال لوجه الله لقاتلنا، لأجل أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلا بد من أن تقاتل لوجود مقتضيه، أو أنهم أرادوا كيف لا تقاتل العدو وقد صدر منه ما يوجب القتال فلا نكون بقتاله ظالمين وذلك ما مر أن جالوت وقومه أخذوا ديار بنى إسرائيل، وسبوا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، والواو فى { وما لنا } للربط بما قبلها، إذ لو سقطت لجاز أن يكون ما بعدها منقطعا عما قبلها، وما مبتدأ استفهامية إنكارية، ولنا خبر، { وألا نقاتل } على تقدير فى أى، وما لنا فى ألا نقاتل أى فى عدم القتال، أى أى منفعة لنا فى عدمه، أو أى غرض لنا فى عدمه، وقيل إن زائدة ناصبة وألا نقاتل حال من نا، والواو فى { وقد أخرجنا } للحال، وصاحب الحال ضمير نقاتل، ومفعول نقاتل فى الموضعين، وتقاتلوا محذوف، أى العدو ونزل الفعل فى ذلك كاللازم على أن ليس المراد ذكر العدو. { فلما كتب عليهم القتال } فرض. { تولوا } عنه جبنا. { إلا قليلا منهم } وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وغيرهم لم يفروا، وقيل عبر غيرهم ولم يقاتلوا، وهذا القليل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد أهل بدر، قال وهب بن منبه لبثوا مع أشموئيل أربعين سنة فى أحسن حال، ثم كان من أمر جالوت ما كان. { والله عليم بالظالمين } منهم بترك الجهاد، ومخالفة أمر الله، فيجازيهم، أو بالظالمين مطلقا وكذلك يكون شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدنيا، ومن لا يصدق فى دعواه يتمنون الحرب حال السعة، وإذا حضرت الحرب تولوا عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لا تمنوا لقاء العدو واسألوا العافية فإذا لقيتموه فاثبتوا ".
[2.247]
{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت } هو متاول ابن قيس بن سبط بن يامين بن يعقوب، اسمه بالسريانية متأول وبالعبرانية شاف بن قيس ابن إيسان ابن ضرار ابن كرب ابن أفيح ابن أقبس ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. { ملكا } طالوت علم عجمى وعجمته عبرانية، ولا وزن له صرفى، وإنما له وزن طبعى، ووزن عروضى، وهكذا سائر أسماء العجمة، وقيل إنه هو من الطول الألفاظ العربية وهو معنى ضد القصر وأنه بوزن فعلوت بفتح الفاء والعين، كرهبوت ورغبوت وأصله طولوت بفتح الطاء والواو، فقلبت ألفا لتحركها بعد فتحة، ويرده أنه لو كان عربيا لصرف لبقاء علة واحدة وهو العلمية، وأجيب بأنه منع الصرف للعلمية وشبه العجمة ليس فى أبنية العرب ما على هذه الصيغة، ويبحث بأنه إن أريد الوزن الطبعى فأبنية موجودة فى العربية كالفاروق والصرفى، فكذلك كرغبوت ورهبوت إلا إن أريد الصرفى مع إسكان الثانى، وثانى باب رغبوت متحرك، وأما ما يقال اتفقت فيه العجمة والعربية فى معنى الطول فباعتبار العربية بصرف قطعا وهو غير مصروف فى التلاوة، وباعتبار العجمة يمنع قطعا، واتفاق اللفظ معنى فى لغتى العجمى والعرب لا يمنع الصرف مع علة أخرى، والداعى إلى القول بأنه من الطول ما روى أنه أطول رجل فى زمانه، وقوله تعالى { وزاده بسطة فى العلم والجسم } وعن وهب بن منبه كان أطول رجل فى بنى إسرائيل، وذكروا أنه كان أطول من جميع الناس برأسه ومنكبه، ويمد القائم يده فيصل بها رأسه لما سألوا نبيهم ملكا يقاتلون به، سأل الله أن يبعث لهم ملكا فبعث الله عز وجل مع ملك من الملائكة عصا وقرنا فيه دهن القدس، وقال له إن صاحبكم الذى يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصى، وانظر إلى القرن الذى فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل فنشى الدهن فى القرن، أى غلى هو ملك بنى إسرائيل نادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم، وكان طالوت راغبا، وقيل دباغا يدبغ الأدم وهو قول وهب بن منبه، وقال عكرمة والسدى، سقاء يسقى الناس بأجرة على حمار من النيل، ويسقى الماء ويبيعه، ولعله قد فعل ذلك كله، قال وهب بن منبه، ضلت حمر لأبى طالوت وقيل إبل فأرسله أبوه ومعه غلام فى طلبها، فمر على بيت أشموئيل النبى، فقال الغلام لطالوت لو دخلنا على هذا النبى فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا أو ليدعو لنا، ودخلا عليه، فبينما عنده يذكر له حاجتهما، إذ نشى الدهن فى القرن أعنى أنه غلى فقام أشموئيل النبى فقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله، فقال لطالوت قرب رأسك فقربه إليه فدهنه بدهن القدس، وقال له أنت ملك بنى إسرائيل الذى أمرنى الله أن أملكه عليهم، فقال طالوت أو ما علمت أن سبطى من أدنى أسباط بنى إسرائيل؟ قال بلى.
قال فبأى آية؟ قال بآية أنك ترجع، وقد وجد أبوك حمره، فكان كذلك، ثم قال لبنى إسرائيل إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، وقيل جلس عنه، وقال أيها الناس إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، فأتت عظماء بنى إسرائيل إلى هذا النبى أشموئيل وقالوا له ما شأن طالوت يملك علينا وليس هو من بيت النبوة، ولا الملك، وقد عرفت أن النبوة فى سبط لاوى بن يعقوب، والملك فى سبط يهوذا بن يعقوب كما قال الله تعالى { قالوا أنى يكون له الملك علينا } أى من أين يكون وكيف يكون. { ونحن أحق بالملك منه } وذلك أنه كان فى بنى إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط ملك، فسبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب، ومنه كان موسى وهارون عليهما السلام، وسبط الملك سبط يهوذ ابن يعقوب، ومنه كان داود وسليمان وأشموئيل عليهما السلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، وإنما كان من ابن يامين بن يعقوب أخى يوسف، وكانوا عملوا ذنبا عظيما ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله تعالى عليهم، ونزع منهم الملك والنبوة، وكانوا يسمون سبط الإثم فلهذا السبب أنكروا أن يملك عليهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه، وأكدوا ذلك بقولهم. { ولم يؤت سعة من المال } حتى إنه يرعى، وأنه سقاء للناس والملك يحتاج للمال وشرف المنصب ليستعين بهما، والسعة والوسع ومن المال متعلق بيؤت أو بمحذوف نعت لسعة، ومن للابتداء وإن جعلنا سعة مصدر بمعنى واسعا أو متوسعا به فالإعراب كذلك، وزاد بأن تكون منه فى ذلك للتبعيض أو للبيان. { قال } لهم نبيهم أشموئيل { إن الله اصطفاه عليكم } اختاره عليكم للملك، لأن الله أعلم بالمصالح منكم، وليس فقره وسقوط نسبه يمنعان تملكه، هذا ما قد تضمنه قوله { إن الله اصطفاه عليكم } ولأن الشرط فى الملك وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية ولأن جسامة البدن يتأيد بها الملك فيكون أعظم خطرا فى القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، وقد جمع ذلك كما قال الله تعالى { وزاده بسطة } سعة وفضيلة. { فى العلم } وكان أعلم بنى إسرائيل فى زمانه بالتوراة، وبأمور الحرب وغيرها عند الجمهور، وقيل المراد علم الحرب، وقيل أوحى إليه ونبئ. { والجسم } كان أطولهم كما مر، وأعظمهم حجما وأجملهم، وعظم الجسم نعمة من الله، كما امتن الله تعالى به، فقالوا اذكروا آلاء الله وقرأ الحسن، { وزاده بسطة فى العلم والجسم } ، فقال فإذا الجسم نعمة من الله ولأن الله تعالى مالك الملك كله فله أن يؤتى الملك من يشاء كما قال تعالى { والله يؤتى ملكه } أى بعض ملكه، فالإضافة بمعنى من التبعيضية أو أراد الجنس الصادق بالقليل والكثير، لا بكله والمعنى واحد.
{ من يشاء } أن يؤتيه إياه لا معارض له، ولأنه واسع الفضل، يوسع على الفقير فيغنيه، ويرفع الحقير فيعزه، فيغنى طالوت ويعزه ويعلم اللائق بالملك من النسب وغيره كما قال الله تعالى { والله واسع عليم } أى واسع الرزق والفضل، وسع رزقه وفضله وعلمة كل مخلوق، ويجوز أن يكون واسع للنسب، أى ذا وسع والعليم الذى عظم علمه أو كثر، وعلم الله عظيم لا ينفد، وقيل العلم فى صفة من علم ما كان وما يكون، وذلك كله من كلام أشموئيل نبيهم، رد عليهم واحتج، وذلك قول الجمهور وهو أظهر، وقال بعضهم قوله { والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم } ، هو من كلام الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبعدما قال لهم اشموئيل ذلك تيعنوا على، عادتهم، أو أرادوا زيادة يقين فقالوا ما آية أن الله بعث طالوت ملكا؟ فأجابهم بما حكى الله عنه بقوله { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت.. }
ناپیژندل شوی مخ