هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ كلا } من الفريقين. { نمد } نعطى مدة بعد أخرى عطاء متواليا، { هؤلاء } بدل كلا أى هؤلاء المريدين للعاجلة { وهؤلاء } المريدين للآخرة. { من عطاء ربك } متعلق بنمد أى من معطاه فى الدنيا وهو الرزق يستوفى كلما قضى له يختلف بهما الحال فمريد الآخرة يشكر النعمة ويؤمن فله الكرامة فى الآخرة، ومريد العاجلة لا يشكر فله الخزى فى الآخرة. هذا قول الحسن وقتادة وذلك على طريق الالتفات من التكلم للغيبة فإن مقتضى الظاهر من عطائنا { وما كان عطاء ربك } فى الدنيا. { محظورا } أى ممنوعا عن أحد بل يصيب مريد العاجلة ومريد الآخرة تفضلا لا يمنع عن عاص ومشرك. وقال ابن عباس فى رواية عطاء ربك الطاعة نعطيها لمريد الآخرة والمعصية نعطيها لمريد العاجلة ويعضد الأول قوله وما كان عطاء ربك محظورا وأقل ما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصى ويعضده أيضا.
[17.21]
{ انظر } يا محمد. { كيف فضلنا بعضهم على بعض } فإن المتبادر منه التفضيل فى الرزق، قيل فضلنا بعضهم على بعض فى الرزق والجاه وكيف اسم استفهام حال منصوب بفضلنا وجملة كيف فضلنا فى محل نصب مفعول انظر، وعقله عن العمل فى المفرد إلى العمل فى الجملة اسم الاستفهام { وللآخرة أكبر } أعظم من الدنيا { درجات وأكبر } منها، وقرئ وأكثر بالمثلثة { تفضيلا } فإن درجات الدنيا والتفضيل فيها بأرزاق وجاه ونحو ذلك مما هو غير دائم وغير خال عن نقض وكدورة ودرجات الآخرة والتفضيل فيها بقصور وجملة نعم لا تزول ولا تكدر ولا تنقطع فيجب الاعتناء بها دون الدنيا فالآية فى تنضيلا نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، ويحتمل أن يكون ذلك فيما بين درجات الآخرة ونعيمها بعضها أفضل من بعض، أى التفاوت فى درجات الآخرة فيما بينها أعظم من التفاوت فى درجات الدنيا فيما بينها. روى أن قوما من الأشراف منهم أبو سفيان وسهل وقوما دونهم منهم بلال وصهيب اجتمعوا فى باب عمر رضى الله تعالى عنه يستأذنون فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبى سفيان، فقال سهيل إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعنى إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت فى الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر فما أعد الله لهم فى الجنة أكثر، وقيل المعنى أن التفاوت فى الآخرة أكثر لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها.
[17.22]
{ لا تجعل مع الله إلها آخر } قال ابن جرير الطبرى وغيره الخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - والرد جميع الخلق، وقيل المراد غيره، وقيل الخطاب لكل من يصلح له، أى لا تجعل مع الله إلها آخر أيها المكلف أو أيها الإنسان. { فتقعد مذموما } عند الله والملائكة والناس. رويت عن شيخى ذكره الله بالصالحات فى شرح الأجرمية للشريف ابن يعلى الفاسى فشحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة أى صارت وكذا تقعد بمعنى تصير، فيكون من باب كان أى فتصير مذموما { مخذولا } من الله ومفهومه أن من وحد الله يكون ممدوحا منصورا ويجوز أن يكون تقعد بمعنى تعجز فيكون مذموما مخذولا حالين، يقال قعد عن الشئ أى عجز عنه وفسره الفراء بما ذكرته أولا.
[17.23-24]
{ وقضى ربك } قال ابن عباس أمر، وقيل أوجب وقيل حكم الحكم الجازم، وقيل وصى وقد قرأ الضحاك ووصى، وكذا قرأ ابن عباس فى رواية وابن مسعود وكذا هى فى مصحفه، وأخطأ من زعم أن هذا هو القراءة وإن القراءة بالقاف تحريف منها بأن ألصق الكاتب الواو بالصاد فصار قافا، وكانت المصاحف غير منقوطة، خطأ عظيما يؤدى إلى أن لا يوثق بالقرآن وإلى الطعن وقد حفظ الله سبحانه القرآن عن أن يغير. وعن ابن عباس وأوصى ويجوز أن يكون المعنى سبق علم الله فى الأزل فيكون الخطاب فى تعبدوا للمؤمنين خاصة إلى يوم القيامة ولا نافية وأن ناصبة والباء مقدرة أى بأن لا تعبدوا وعلى الأوجه السابقة الخطاب لجميع الناس وإن ولا كما ذكر أو لا ناهية وأن مفسرة وأجيز أن يكون أن مخففة ولا ناهية وقوله وقضى ربك.. الخ. كالتفضيل لسعى الآخرة { ألا تعبدوا إلا إياه } أى إلا ربك لأنه الذى له الغاية العظمة ونهاية الإنعام والعبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من هو كذلك وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل وقضاء ربك بالمد على الابتداء وأن لا تعبدوا خبر على أن لا نافية وأن ناصبة { وبالوالدين } أى وإن تحسنوا بالوالدين فهو متعلق بمحذوف وذلك المحذوف معطوف على أن لا تعبدوا بأن ولا. لا على تعبدوا بدون ولا وإلا تسلط النفى أو النهى عليه وليس بمراد وكأنه قيل وقضى أن تحسنوا بأن الناصبة أو بأن تحسنوا أو وقضى أن تحسنون بأن التفسيرية ويجوز تعليقه بمستأنف محذوف أى واحسنوا بالوالدين بكسر السين على الأمر، ويجوز عطفه على لا تعبدوا إذا جعلت لا ناهية ولا يجوز أن يعلق بقوله { إحسانا } لأنه مصدر والمصدر لا يسبقه معموله، وقيل بالجواز لأن معموله جار ومجرور، وقيل يجوز لأنه مصدر لا ينحل إلى الموصول الحرفى والفعل، لأنه عوض من اللفظ بفعله وإنما الذى لا يجوزه فيه ذلك هو الذى لا ينحل إلى الموصول الحرفى والفعل، لأن الموصول لا تقدم عليه صلته { إما } أن الشرطية وما التى هى صلة للتأكيد أدغمت نون أن فى ميم ما ويدل لذلك تأكيد الفعل بعد بالنون ولو جردت " أن " عن " ما " لكان غير جائز تأكيده. { يبلغن عندك الكبر أحدهما } فاعل يبلغ. { أو كلاهما } عطف على أحدهما، وقرأ حمزة والكسائى يبلغان بنون توكيد مشددة بعد مكسورة ألف اثنين وهما الوالدان، وحذفت نون الرفع للجازم وأحد بدل من الألف، ومعنى بلوغهما الكبر عندك أن يكونا فى بيته قائما بهما فى حال كونهما قد كبرا وعجزا وكانا كلا عليك. { فلا تقل لهما أف } بالتنوين للتنكير وهو مبنى على الكسر لالتقاء الساكنين وذلك قراءة نافع وحفص هنا، وفى الأنبياء والأحسن، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بناء على الفتح تخفيفا بلا تنوين، وقرئ بالفتح والتنوين، وقرئ بالضم منونا وغير منون اتباع للهمزة كمنذ، والساكن جائز غير حصين ولا سيما المدغم وهو على ذلك كله اسم صوت يدل على ضجر وملل، وقيل اسم للصوت الذى يخرج من فم من ينفخ على شئ يقم عليه كرماد وتراب مما يكرهه ليزيله بالنفخ ثم توسعوا بذكره عند كل مكروه يصلهم، وقيل اسم للفعل المضارع الذى هو اضجر وأمل أو أكره أو تقدر ونحو ذلك، وعليه ابن هشام وفسر بعضهم أف تبا وقبحا، والمراد نهى الإنسان أن يقول لوالديه أف، إذا رأى منهما ما استقذره أو يستثقله، ويفهم غير هذا اللفظ من الألفاظ السوء المساوية والتى هى أعظم ومن الأفعال المضرة كالضرب من ذلك اللفظ، لأن العلة إضرارهما فهو منهى عنه بأى لفظ كان، ويجوز أن يكون المراد جميع ذلك بالكناية، أى لا تقل لهما شيئا مما يضرهما ولا تفعل شيئا يضرهما وعلى هذا فلا مفهوم بخلاف الأول، فإن فيه مفهوم الخطاب الذى المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، فما كان مساويا فى التأفيف فمفهوم المساواة ويسمى المحوى، وما كان أعظم فمن التنبيه بالأذى على الأعلى كالشتم والضرب ويسمى لحن الخطاب، وفهم النهى عن ذلك بطريق القياس، وقيل بطريق العرف، وقيل بطريق اللفظ وهو الذى يتبادر.
قيل نزلت الآية فى سعد بن أبى وقاص، أسلم وأمه كافرة مشركة لما كان حق الوالدين عظيما ولو كانا مشركين قرنه الله سبحانه وتعالى بعبادته، وقرن حقهما وعبادته فى القضاء ولم يرخص فى أدنى كلمة تنقلت من المتضجر مع موجبات الضجر، مثل أن يلى منهما ما ولياه منه فى صغره من بول وغائط وغيرهما وما تستقذر رؤيته أو رائحته، ومع أحوال لا يكاد صبر الإنسان يدخل معها فى الاستطاعة وألزمه فى حقهما خمسة أشياء الأول - أن لا يقول لهما أف وقد مر الكلام فيه وسواء فى هذه الخمسة أن يكونا كبيرين أو غير كبيرين وإنما علقها بالكبر، لأنه مظنة عدمها. الثانى عدم انتهارهما كما قال الله عز وجل. { ولا تنهرهما } أى لا تغلظ لهما الكلام إذا أراك ما لا يعجبك يقال نهره وانتهره ونهمه بمعنى واحد، والفرق بين التأفيف والنهران، التأفيف إظهار الضجر بالقليل والكثير إظهار المخالفة بالرد عليهما. الثالث أن يقول لهما قولا يطيبان به نفسا كما قال عز وعلا { وقل لهما قولا كريما } حسنا جميلا لينا لا سوء خلق فيه بدل التأفيف مثل السلام عليكما، ومثل يا أبتاه ويا أماه، وغير ذلك مما هو حسن أدب ونزول على مروءة كما قال إبراهيم لأبيه مع كفره يا أبت، ولا تدعهما بأسمائهما ولا بكنيتهما، بل يقول لهما كقول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ، وقد قيل من الجفاء وسوء الأدب دعاؤهما بأسمائهما ولا بأس بذكرهما فى وجههما بغير أسمائهما، كما قالت عائشة رضى الله عنها قال أبو بكر كذا وفعل أبو بكر كذا.
الرابع أن يبالغ فى التواضع لهما كما قال الله سبحانه وتعالى { واخفض لهما جناح الذل } أى تذلل وتواضع لهما حتى لا تمتنع من شئ أراده، شبه الذل بالطائر تشبيها غير مذكور وذلك التشبيه استعارة ملكية وأثبت له شيئا من لوازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه وهو الجناح وذلك الإثبات استعارة تخييلية كما جعل لبيد للشمال وهى ريح يدا وللقرة بكسر القاف وهى البرد زماما فى قوله
وغداة ريح قد كشف وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
ناپیژندل شوی مخ