هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
[16.38]
{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أى غاية أيمانهم فالنصب على المفعولية المطلقة { لا يبعث الله من يموت } جواب للقسم وغاية اجتهادهم فى اليمين أن يحلفوا بالله سبحانه وتعالى، تقاضى مسلم دينا له على مشرك وكان من كلامه أنه حلف كقوله والذى أرجوه بعد الموت فأقسم المشرك أن لا بعث ونزلت الآية فى ذلك وجملة أقسموا مستأنفة أو معطوفة على قوله وقال الذين أشركوا أى جمعوا بين الإشراك وإنكار البعث مجتهدين فى إقسامهم على إنكاره { بلى } أى يبعثهم فإن بلى إثبات لما نفى وهذا رد عليهم ورد أيضا عليهم بقوله { وعدا } مصدر لمحذوف أى وعد ذلك البعث وعد عهد وهو مؤكد لنفسه أعنى لمعناه الذى يقصده قوله بلى النائب عن قوله يبعثهم فإن قوله يبعثهم هو نفس الوعد فهو كقولك له على ألف اعترافا ورد عليهم أيضا بقوله { عليه } وهو نعت لوعد أى وعدا ثابتا عليه كتبه على نفسه فهو واقع الموعود، ولا بد أنه لا يخلف الوعد ولأن البعث بمقتضى الحكمة فعدمه عبث، تعالى عنه ورد عليهم أيضا بقوله { حقا } نعت لوعد أو حال منه لوصفه بعليه أو حال من ضمير الاستقرار فى عليه وإن علق عليه بحقا كان حقا نعتا، وقيل حقا مفعول مطلق لمحذوف أى حق البعث حقا أى ثبت أو حقه حقا أى أثبته إثباتا وهو مؤكد لغير معناه فإن معنى قوله يبعثهم ليس نفس قوله حق البعث أو حقه حقا فهو كقولك أنت ابنى حقا { ولكن أكثر الناس } ذلك الأكثر هم المكذبون بالبعث أو منكروه من ناس مكة { لا يعلمون } أنه قادر على البعث لقصور نظرهم على ما ألفوه من أن ما ذهب من الأشياء وفنى لا يرجع وفى أنفسهم علامة على قدرته فإنه أنشأهم النشأة الأولى والنشأة الثانية أهون منها باعتبار العقل والعادة أو لا يعلمون أنه يبعثهم لأنهم لا يدرون أن البعث حكمة لا يصلح إلغاؤها.
[16.39]
{ ليبين } الله متعلق بيبعث الذى ناب عنه بلى وقيل ببلى لنيابتها عنه ولو كانت حرفا وقال به أبو على وأبو الفتح ويجوز تعليقه بمحذوف أى يبعثهم ليبين { لهم } أى لمن يموت وهو عام للمؤمنين والكافرين ويجوز تعليقه ببعث فى قوله ولقد بعثنا أى ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا ليبين لهم أى لأمته { الذى يختلفون فيه } وهو الحق كالتوحيد والبعث وليس الاختلاف فيما بينهم بل مع المؤمنين فكأنه قيل يختلفون فيه مع المؤمنين والمراد ليبين لهم بالإنزال ماذا أنزل اختلفوا فيه معهم بأن يكفروا به ويؤمن به من قدر الله الرحمن الرحيم إيمانه أو ليبين لهم ما اختلفوا فيه مع المؤمنين الماضين قبلهم أى ما خالفوهم فيه أو ليبين لهم ما يختلفون فيه مع المؤمنين من سائر الأمور الدنيوية والدينية التى قالوها فهما من كلام كتابهم بلا نص فيه أو من كلام رسولهم وأنكره عليهم المشركون { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } وقولهم لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء لأنهم يقولونه على معنى أنهم مجبرون أو على معنى أن تلك العبادة حسنة وإلا لصرفنا الله عنها وفى قولهم لا بعث وفى غير ذلك من زعماتهم وذلك الذى اختلفوا فيه هو الداعى إلى بعثه الرسل كما قال وإلى بعث الموتى لبيان الحق والباطل وللجزاء ثم بين الله جل جلاله أن البعث وكلما أراد أمر هين بقوله { إنما قولنا لشئ إذا أردناه }.
[16.40]
{ إنما قولنا لشىء إذا أردناه } إذا أردنا إيجاده وقول مبتدأ وخبره المصدر من قوله { أن نقول } وجواب إذا محذوف مدلول عليه بهما وإن أخرجت عن الشرطية تعلقت بقولنا { له كن } من الكون التام بمعنى الحدوث والوجود { فيكون } ألفا للاستئناف وفيها معنى السببية كأنه قيل فهو يكون أى يحدث ويتحصل فى الحال بسبب قولنا وذلك كناية عن أنه لا يمتنع عليه ما أراد وعن سرعة وجوده كما يمتثل المأمور المطيع أمرا أمره بسرعة وليس ثم قوله، وذلك أن الله سبحانه قادر بذاته فلا يتوقف على شىء يوجد منه شيئا ولا على إعانة والإلزام التسلسل لأن ذلك الذى يوجد منه شيئا أو بعينه تعالى عن ذلك مخلوق له أيضا فيلزم أن يكون أيضا متوقفا عل مثل ذلك وهكذا فكيف يعجز عن البعث وقيل يخلق لفظ كن فيتحصل ما أراد كونه بدون أن يقال إنه اللافظ تعالى والأول أوضح وفى الحديث القدسى عنه صلى الله عليه وسلم
" شتمنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك وكذبنى وما ينبغى له ذلك أما شتمه إياى فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأما تكذيبه إياى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وليس أول الخلق على بأهون من إعادته "
وقرأ ابن عامر والكسائى بنصب يكون هنا وفى ليس عطفا على تقول وإن قلت كيف يصح ذلك والكون ليس قولا فلا يصح عطفه على ما هو خير عن القول مفسر له، قلت وجه صحته أن قوله لشىء كن أمر من أموره وكون ذلك الشىء وحصوله أمر من أموره أيضا ولا يصح عندى أن يكون النصب فى جواب الأمر لعدم إمكانه من جهة المعنى ولو أجازه القاضى وسيأتى إن شاء الله كلام فى يس.
[16.41]
{ والذين هاجروا فى الله } أى لأجل الله والمعنى أنهم هاجروا ليتمكنوا من دينهم فيقيموه فالتقدير هاجروا لدين الله ويجوز أن يكون المراد هاجروا لله بذاته أى لحبه { من بعد ما } مصدرية { ظلموا } وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ظلمهم قريش لدينهم فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم المدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما استقروا بالمدينة جاء إليها الذين بالحبشة والمراد هجرة الحبشة لقوله { لنبوئنهم } لننزلنهم { فى الدنيا حسنة } بلدة حسنة وهى المدينة فالنصب على المفعولية الثانوية أو تبوئة حسنة وهى تبوئة المدينة لهم بالنصب على المفعولية المطلقة ولو كانت هجرة المدينة والآية نزلت بمكة قبل الهجرة إليها لنافاه قوله هاجروا ولو كانت هجرة المدينة والآية بعد الهجرة وتبوء المدينة، لم يصح أن يقول لنبوئنهم وقد تبوأوها ولم يبلغنا أنها نزلت بعد الهجرة إليها وقبل وصولها وتبوأها هذا ما ظهر لى فى قول الجمهور وقتادة أن سبب النزول هجرة الحبشة وقيل المراد الهجرتان فيكون معنى لنبوئنهم حسنة لنجعلن لهم المدينة منزلا حسنا بأن تكون المدينة ثقيلة على من هاجر إليها وسكنها ثم بعد ذلك حببها الله إليه وحسنها فى قلبه وجاء المهاجرون الحبشة إليها فنزلوها واستحسنوها، وكذا إن قيل المراد الهجرة إلى المدينة فقط وعليهما تكون الآية مدنية وقال الكلبي المراد بالمهاجرين بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل وهم المستضعفون بقوا بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذبهم المشركون لدينهم كانوا يجرون بلال رضى الله عنه إلى البطحاء بمكة فى شدة الحر ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول أحد أحد وقد كان قبل ذلك معذبا فى الله بذلك ونحوه ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه وخلفه بعده واشترى معه ستة نفر، وقال صهيب إنى كبير إن كنت معكم فلن أنفعكم وإن كنت عليكم فلن أضركم فاشترى نفسه بماله ومر به أبو بكر فقال ربح البيع يا صهيب وهاجر أبو بكر وخلفه وكان مع شرائه نفسه يصيبه بعض العذاب منهم، وأما باقيهم فأعطوهم الشرك بألسنتهم وقد اطمأنت قلوبهم بالإيمان فخلوا عنهم ثم هاجروا كلهم رضى الله عنهم فنزلت الآية وهذا يقتضى أنها مدنية نزلت بعد هجرتهم وقيل تبوأ المدينة وكانوا قبل ذلك كلما خرجوا اتبعوهم فردوهم قال عمرو رضى الله عنه نعم العبيد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وفى رواية نعم الرجل أى لو لم يكن لله عقاب يخاف لم يعصه، وقالت جماعة المراد بالحسنة كل ما يستحسن أى لننيلنهم فى الدنيا ما يستحسنونه أو لننزلنهم منزلة يستحسنونها وهو عام، ويدل له قول عمر رضى الله عنه إذا أعطى رجلا من المهاجرين وقت القسمة خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله فى الدنيا وما ادخر لك فى الآخرة أفضل ثم يتلو الآية وقيل المراد بالحسنة فتح مكة والنصر على قريش وفتح البلاد والنصر على أهل المشرق والمغرب وقيل التوفيق لأمر الدين وقرأ على لنثوينهم بمثلثة قبل الواو من الإثواء أى نسكننهم أى لنثوينهم إثواءه حسنة وذلك كله فى مقابلة هجرتهم فى الله كما قال صلى الله عليه وسلم
ناپیژندل شوی مخ