1311

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

ژانرونه
General Exegesis
Ibadi

قيل له لما احتضر كيف وجدت الدنيا؟ قال كبيت له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، ويقال له شيخ المرسلين، وكبير النبيين، وفى نفسه معجزة لطول عمره يعارض بها من جاء بعد خروجه من أعمار أهل تلك القرون ، لم يقص له سن ولا قوة، ولم يبالغ رسول فى دعوة قومه مثله، ولا لقى من قومه ما لقى من قومه من الضرب والأذى والجفاء. ولما استقرت بعث الغراب ليأتيه بخير الأرض، فوقع على جيفة فاشتغل بها، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون فى منقارها، ولطخت رجليها بالطين، فعلم أن الماء قد ذهب، فدعى على الغراب بالخوف، فلذلك كان لا يألف البيوت، وطوق الحمامة بالخضرة التى فى عنقها، ودعى لها بالأمان، فمن ثم تألف البيوت. وقيل إن السفينة كانت فى الماء خمسين ومائة يوم، وعلى الجودى شهرا، فهبطوا. وذكر التلاتى أنه فتح بابا من أبوابها ونظر إلى أرض فوجدها بيضاء فقال له الله هذه عظام قومك، فحزن عليهم وناح، فسمى نوحا، قلت لعل هذه الفاء لمجرد السببية، وإلا فقد سمى نوحا قبل هذا لكونه يحزن وسينوح، وقيل سمى لكثرة بكائه على نفسه، وأوحى الله كيف تحزن عليهم، وقد كذبوك، وأنا أهلكت كبارهم بأعمالهم وصغارهم لعلمى فيهم ما لا علم لك به، والقوس الذى جعلته فى السماء أمان من الغرق، وأنه دعى على الغراب فاسود وكان أبيض قبل ذلك، وأن الحمامة لما رجعت قالت يا نبى الله قد هلكت الأرض ومن عليها، ولم يبق فيها شئ من الشجر إلا الزيتون، فإنه على حاله، ولم يبق الماء إلا فى بلاد الهند، وآخر ماء بقى فى الأرض من الطوفان بقى أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، وعن ابن عباس لا تقولوا قوس قزح، فإن قزح الشيطان، وكذا قال ابن مسعود، وروى أن السفينة استوت على الجودى فى ذى الحجة، وأقام فيها عليه شهرا، وأن الله سبحانه أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسو على واحد منها، فتطاولت كلها محبة أن تقف عليها إلا الجودى، فلم يتطاول تواضعا لله تعالى فأرساها عليه. { وقيل } قال الله { بعدا للقوم الظالمين } المشركين وهم قوم نوح، والبعد الهلاك، قيل لم يبق كافر إلا عوج بن عناق، ويقال بعد كسر العين بعدا بضم الباء وإسكان العين، وبعدا بفتحهما إذا هلك، وهو مأخوذ من البعد الذى هو ضد القرب، فإن من بعد بعدا بعيدا حتى لا يرجى عوده كهالك، وذكر بعض أن ذلك استعارة للهلاك، ولا ينافيه قول الصحاح البعد الهلاك لأنه كثيرا مما يذكر المعنى المجازى، وبنيت الأفعال للمفعول فى ذلك، لأنه لا يتوهم أن فاعلها غير الله، إذ لا يقدر عليها سواه، والآية فى غاية الفصاحة مع الإيجاز الخالى عن الإخلال، وقيل يجوز أن يكون قائل { بعدا للقوم الظالمين } نوحا عليه السلام.

[11.45]

{ ونادى } دعا { نوح ربه } وذلك محل فصله بقوله { فقال رب إن ابنى من أهلى } وقد وعدتنى أن تنجينى وأهلى { وإن وعدك الحق } لا يتطرق إليه الخلف، فما حاله أو هو حى أو فما باله؟ قال القاضى ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرق ابنه. { وأنت أحكم الحاكمين } أعلم وأعد لهم، وهو من الحكومة بين الخصمين، أو أكثر حكمة من ذوى الحكم بكسر الحاء وفتح الكاف، فيكون الحاكم للنسبة كذراع بمعنى ذى ذراع، ولابن بمعنى ذا لبن.

[11.46]

{ قال يا نوح إنه ليس من أهلك } الناجين محذوف النعت، أو من أهل دينك، فحذف المضاف، وذلك أنه ابنه، ولا مانع من كون ولد نبى كافرا كقابيل ولد آدم، ولأن من كون نبى وآله كافر كإبراهيم، فإن أباه آزر كافر، فإن الصحيح وهو مذهب الجمهور أنه ابن نوح، وعليه ابن عباس، والضحاك وابن جبير، وعكرمة، وهو الموافق لقوله

يا بنى

فإن الأصل الحقيقة لا ينصرف عنها إلا لدليل، ولكن قطعت الولاية بينهما لكفره، وقد قال الحسن إنه مؤمن الظاهر مشرك الباطن، فأخبره الله أنه ليس من أهلك، ويدل لذلك تعليله بقوله { إنه عمل غير صالح } إن عمله غير صالح فحذف المضاف من أول، أو أنه ذو عمل غير صالح فحذفه من الأخير، فذلك من مجاز الحذف، ووجه الأول أن يبنى الكلام من أوله على ما هو المراد، ووجه الثانى أن التغيير أليق بالأخير، أو أنه عامل غير صالح بتنوين عامل ورفعه ورفع غير، كما تقول فلان عامل فاسد بتنوينهما، فذلك مجاز مرسل لعلاقة التعلق أو الاشتقاق إذا أطلق المصدر وأراد اسم فاعل، أو أنه نفسه عامل غير صالح، فيكون مبالغة فى فساده، حتى كأنه نفس العمل الفاسد، كما تقول إن زيدا عمل، وإنه صوم إذا كثر عمله وصومه، وكقول الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها

ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت فإنما هى إقبال وادبار

أو الهاء للنداء والسؤال كما قال النخعى، وذكره المهدوى، أى إن نداءك عمل غير صالح وهو حسن، وقال جار الله وليس بذلك والجمهور على غيره، ولو كان لا مجاز فيه ولا مبالغة وقرأ الكسائى ويعقوب إنه عمل بكسر الميم وفتح اللام، وهو فعل ماض غير بالنصب على المفعولية، وكذا روت أسماء بنت يزيد الأنصارية عنه صلى الله عليه وسلم، أى عملا غير صالح، فحذف المنعوت والهاء على هذا لابنه أو للشأن، وضمير عمل لابنه، ولم يستغن بفساد عن قوله { غير صالح } ليشير إلى أن نجاة من نجا بالصلاة وإلى مغايرة عمله لعمل من نجا بأن عمل من نجا صالح، وعمل لبنه غير صالح، والنجاة إنما هى بالصلاح لا بالقرابة. { فلا تسألنى } بإثبات الباء فى الوصل كالوقف فى رواية ورش، عن نافع، وبذلك نقرؤه، وروى غير ورش عنه حذفها فى الوصل، وأما كسر النون مشددة وفتح اللام فمتفق عليه عن نافع، وكذا قرأ ابن عامر، وأثبت الياء فى الوصل، والنون نون التوكيد الشديدة كسرت للياء، وحذفت نون الوقاية تخفيفا عن اجتماع ثلاث نونات. قلت أو النون المدغمة نون التوكيد الخفية والمتحركة بكسر نون الوقاية، وقرأ ابن كثير بفتح النون مشددة، وهى نون التوكيد الشديدة، والياء محذوفة مع نون الوقاية وهو أنسب بما ذكرته أولا، وقرأ الباقون بنقل فتح الهمزة للسين، وحذفت الهمزة وإسكان اللام وكسر النون مخففا، وهو نون الوقاية، وحذف الياء.

{ ما ليس لك به علم } أصواب هو أم خطأ، قال جار الله وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه انتهى. وليس له علم بأنه صواب أم خطأ، فكان ينبغى أن لا يسألها حتى يعلمها صوابا. وقيل ذلك النداء بعد الغرق استكشافا عن وجه غرقه، مع أنه من أهله، والنهى إنما هو تأديب لما بعد، وروى أنه كان يعلمه كافرا، وسأل له النجاة من الغرق لكمال الشفقة، وعدم العلم بمنع ذلك السؤال، وإنما سمى نداءه سؤالا لاشتماله على ذكر الوعد بنجاة أهله، وذكر الوعد لواعده طلب منه لقضائه، فكأنه قال ربى نج ابنى، فإنه من أهلى، وقد وعدتنى نجاتهم، وهذا على أن النداء قبل الغرق، وأما على أنه بعده فذكر الوعد طلب التفسير وجه عدم نجاته، مع أنه من أهله وسمى الله سؤاله جهلا حتى نهاه عنه بقوله { أعظك أن تكون من الجاهلين } لأن رؤيته غريقا أو قريبا من الغرق دليل على كره السابق القضاء عليه به، الشامل له دعاءه

ناپیژندل شوی مخ