1184

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

ژانرونه
General Exegesis
Ibadi

{ وجنات } تنكير الثلاثة للتعظيم بحيث لا يقدر مخلوق على تعريف ذلك وتعيينه { لهم فيها } فى الجنات { نعيم مقيم } دايم.

[9.22]

{ خالدين فيها } فى الجنات أو فى النعيم { أبدا } مؤكد للخلود مزيل لما يمكن أن يتوهم، من أن المراد بالخلود المكث الطويل، فإنه قد يستعمل كذلك، وعن ابن عباس الآية فى المهاجرين خاصة. { إن الله عنده أجر عظيم } لكل من امتثل أمره، وازدجر عن تهيه، وهو أجر يستحقر عنده ما بلغوه به من العمل، ونعم الدنيا، قال ابن عباس لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة منعهم من تعلق بهم من أهل وولد وغيرهم، وقالوا ننشدكم الله أن لا تضيعونا، فرق لهم قوم ولم يهاجروا، وقالوا إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين، وقال مجاهد، قال العباس أنا أسقى الحاج فلا أهاجر، وقال صاحب مفتاح الكعبة وعمارتها، أنا صاحب الكعبة وحاجبها فلا أهاجر فنزل { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء }.

[9.23]

{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء } تختارونهم على أمر الله، فالخطاب لمن آمن، وكان فى مكة أو بلاد العرب ولم يهاجر للمدينة، وذلك يقتضى أن صاحب المفتاح، آمن قبل فتح مكة، وذلك الذى قاله ابن عباس ومجاهد مشكل، فإن الآية نزلت بعد فتح مكة، وقد نسخت الهجرة، فكيف تكون الآية حصنا عليها، ولعلها عند ابن عباس، ومجاهد نزلت قبل الفتح، وجعلت فى هذه السورة، وكان من عصى مانعة فهاجر، يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه غيرهم، فلا يلتفت إليه ولا ينزله، ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك فى الإنزال والإنفاق ونحوهما. وقال مقاتل نزلت الآية فى عشرة ارتدوا ولحقوا بمكة، أن لا يلونهم بإفشاء السر إليهم، ومحبتهم، والتحقيق أن الآية ناهية عن اتخاذ الكفار أولياء على الإطلاق، وحكمها باق إلى يوم القيامة، ولو كانوا آباء أو إخوانا أو أبناء أو نحوهم من الأقارب، وإنما لم يذكر الأبناء لأنهم غالبا تابعون للآباء لا بالعكس. { إن استحبوا الكفر على الإيمان } فإنهم حينئذ صادوكم عن الإيمان والطاعة، وقرأ عيسى بن عمرو بفتح همزة أن، أى لأن استحبوا فهى مصدرية، وإنما عدى استحب بعلى لتضمنه معنى التفضيل والحرص. { ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } وضع التولى فى غير موضعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب فى الله، ويبغض فى الله، حتى يحب فى الله أبعد الناس عنه، ويبغض فى الله أقرب الناس إليه ".

[9.24]

{ قل } لهؤلاء الذين لم يهاجروا على ما مر عن ابن عباس، ومجاهد وهذه الآية تؤيد قوليهما لظهورها فيهما، ولا يقال هى غير ظاهرة فى قول مجاهد من حيث إن مانع العباس وصاحب المفتاح من الهجرة السقاية والعمارة، لأنا نقول مانعهما حب القرابة والمال والمساكين ونحوها، ولو تعلقا بالساقية والعمارة، والآيتان نزلتا قبل فتح مكة عندهما، كما وجدته نصا بعد ما ترجيته ترجيا فى الأولى، وإذا قلنا بعد الفتح فذلك زجر عن القعود عن الجهاد، وعن القعود عن السفر لتعلم الشريعة، حبا للقرابة والموطن والمال. { إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } أقرباؤكم، وقيل الأدنون من أهلكم الذين تعاشرونهم، هو قيل مأخوذة من العشرة، فإنها جماعة إلى عقد العشرة، وقيل من العشرة بمعنى المعاشرة، وقرأ أبو بكر، عن عاصم، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، وعصمت وعشيراتكم جمعا بالألف والتاء، وهو قليل قال الأخفش إنما تقول العرب عشائر ولا تكاد تقول عشيرات، وقرأ الحسن وعشائركم، ووجه الجمع أن المخاطبين ليسوا من عشيرة واحدة، وإنما أفرد الجمهور إرادة للجنس، والخطاب قرينة. { وأموال اقترفتموها } اكتسبتموها، وأصل الاقتراف والمقارفة مقاربة الشىء { وتجارة تخشون كسادها } عدم غلائها، وقال ابن مبارك المراد البنات يخشون أن لا يجدوا لهن خاطبا. { ومساكن } مواضع السكنى كالدور والبيوت والقصور { ترضونها } لم تكرهوها { أحب } خبر كان، وأفرد مع أن ما تقدم غير مفرد لأنه اسم تفضيل منكر، وهو شاذ قياسا، فصح استعمالا من حيث إنه من المبنى للمفعول، وكان الحجاج بن يوسف يقرأ أحب بالرفع، وسئل يحيى بن يعمر هل تسمعنى ألحن؟ قال نعم، ترفع أحب فى هذه الآية فنفاه، وقال عياض له وجه فى العربية، وهو أن يجعل فى كان ضمير الشأن، فيكون أحب خبر المبتدأ بعدها ولم يقرأ بذلك. { إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله } والمراد الحب الاختيارى، وإلا فالإنسان مطبوع على حب من ألف، وحب المال والوطن والراحة والسلامة { فتربصوا حتى يأتى الله بأمره } قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل هو فتح مكة، وقال الحسن عقوبة عاجلة، أو آجلة، وعنه القيامة، والأول نص فى أن الآية قبل الفتح، والآية موجبة أبدا أن يختار الإنسان أمر الله على أمر نفسه. { والله لا يهدى القوم الفاسقين } لا يستعملهم فى أمر ينفعهم فى الآخرة ما دام تاركا لهم على فسقهم، فما عملوه من طاعة غير نافع لهم، أو لا يهدى من سبق فى علمه موته على الفسق، والفسق هنا الشرك والنفاق، وقيل الشرك وقد اختلفوا فيمن آمن ولم يهاجر، فقيل مشرك، وقيل منافق لا يرث من آمن وهاجر، ولا يرثه هو، قيل من تولى مشركا فهو مشرك، ومن تولى منافقا فهو منافق، والأول مشكل إلا إن أريد مشرك نزل النص أنه يموت مشركا، أو تولى مشركا لشركه أو عنادا.

[9.25]

{ لقد نصركم } خطاب للمؤمنين { الله فى مواطن } أماكن وهى مواقع الحرب { كثيرة } كبدر وقريظة والنضير وخيبر، وفتح مكة، وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة فيما قال زيد بن أرقم، قيل قاتل فى ثمان منهن، ومجموع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون، وقيل ثمانون، وقيل ثمان وثمانون، قال بعضهم يوصف بالنصر فى جميعها، وأنها المراد بالمواطن، وخرج فى سبع وعشرين بنفسه. والثمانى التى قاتل فيها هن بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة ، وخيبر، وحنين، والطائف، وزاد بعضهم بنى النضير، وبعض فتح مكة، على أنها فتحت عنوة، قال بعضهم بعث فى سبع وأربعين، وخرج فى سبع وعشرين، تلك العشرة المذكورة، وغزوة الأبواء، وغزوة بواط، وبطن ينبع، وبدر الأولى، وبنى سليم، والسويق، وغطفان، ونجران، وحمراء الأسد، وذات الرقاع، وبدر الثالثة، ودومة الجدل، وبنى لحيان، وذى فرد، والحديبية، ولا يريد قتالا، وعمرة القضاء وتبوك. { ويوم } ظرف لمحذوف أى ونصركم يوم حنين، لا معطوف على محل قوله { فى مواطن } لأن الزمان لا يعطف على المكان ولا العكس، ولأنه قد أبدل إذ من قوله { إذ أعجبتكم كثرتكم } من يوم، فلو عطف يوم على محل قوله { فى مواطن } لزم أن يكونوا قد أعجبتهم كثرتهم فى تلك المواطن الكثيرة، ولم يقع الإعجاب بالكثرة فى غير حنين، ولم تكن الكثرة فى غيره، وإن نصبنا إذ باذكر لم يلزم ذلك، وبقى عطف الزمان على المكان، قاله جار الله. قلت بحث بعض المتأخرين بأنه لا مانع من عطف الزمان على المكان والعكس، كما تعطف إحدى القصتين المتباينتين على الأخرى، وما ذكره من لزوم إعجاب الكثرة فى المواطن الكثيرة، من عطف يوم على { فى مواطن } مع إبدال إذ من يوم غفلة منه، لأنه لا مانع من تقييد بعض المعطوفات بما لم يقيد به غيره، وعلى منع عطف الزمان على المكان والعكس، يتوصل إلى العطف بجعل مواطن اسم زمان، أى أزمنة استوطنوا فيها مواضع للحرب، والاستيطان هنا مجرد المكث، وبتقدير فى أيام مواطن، أو بتقدير وموطن يوم. { حنين } واد بين مكة والطائف، قريب من ذى المجاز، بينه وبين مكة بضعة عشرة ميلا، قال بعضهم هو ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف، وهو بصيغة التصغير، ولو اعتبر معنى التأنيث كالبقعة لمنع الصرف له مع العلمية. { إذ أعجبتكم كثرتكم } وكانوا اثنى عشر ألفا، عشرة آلاف حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ممن أسلم من أهل مكة، والطلقاء الذين أطلقهم يوم فتح مكة ولم يسترقهم، والواحد طليق بمعنى مطلوق. وقال الكلبى كانوا قريبا من عشرة آلاف، وقيل عنه كانوا عشرة آلاف، وقال عطاء ستة عشر ألفا وهو ضعيف، وظاهر كلام النحاس أنهم أربعة عشر ألفا، قال بعضهم وهو غلط.

ناپیژندل شوی مخ