هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
وعن السائب بن أبى حبيش
" انهزمت مع قريش، فأدركنى رجل طويل على فرس أبيض بين السماء والأرض فأوثقنى رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدنى مربوطا، فكان عبد الرحمن ينادى من أسر هذا؟ فليس يزعم أحد أنه أسرنى حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى " يا ابن حبيش من أسرك؟ " فقلت لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذى رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أسره ملك اذهب يا ابن عوف بأسيرك "
فذهب بى وتأخر إسلامى حتى كان ما كان. وروى
" أن رجلا قصيرا جاء بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس يا رسول الله إن هذا والله ما أسرنى، لقد أسرنى رجل أجلح من أحسن الناس وجها، على فرس أنثى ما أراه، فقال الأنصارى بل أنا أسرته يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسكت فقد أيدك الله بملك كريم "
وكان الأنصارى يعرف بأبى اليسر كعب بن عمرو. وروى أنه قيل للعباس كيف أسرك أبو اليسر وهو ذميم وأنت جسيم ولو شئت لجعلته فى كفك؟ فقال ما هو إلا أن لقيته فظهر فى عينى كالخندمة يعنى جبلا من جبال مكة، وروى أنه قيل لأبى اليسر كيف أسرته؟ فقال أعاننى عليه رجل من صفته كذا، وما رأيته قبل ولا بعد. ولما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه صلى الله عليه وسلم يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار فأطلقوه وفهموا أنه صلى الله عليه وسلم رضى بفك وثاقه، وسألوه أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم. وعن رجل من بنى سعد بن بكر أبصرت يوم بدر رجلا بين يدى منهزما فقلت ألحقه أستأسره، فتدلى من جرف فلحقته، فإذا رأسه قد زايله ساقطا، وما رأيت قربه أحدا، ورأى حكيم بن خزام فى المنام بخارا قد سد الأفق فى بدر، فإذا الوادى يسيل نملا، فوقع فى نفسى أن هذا شئ أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة، وقال التقينا فاقتتلنا، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل الحصاة فى الطست الحديد. قال نوفل بن معاوية انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصى فى الطساس فى أفئدتنا ومن خلفنا، فكان ذلك من أشد الرعب علينا، وروى أن أبا جهل قال لابن مسعود من أين ذلك الصوت الذى كنا نسمع ولا نرى شخصا، فقال من الملائكة، فقال هم غلبونا لا أنتم. قال قباث بن أشيم
" نظرت إلى كثرتنا وقلة أصحاب محمد فانهزمنا، وإنى لا أقول فى نفسى ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء، ولما كان أمر الخندق قلت لو قدمت إلى محمد فأنظر ما يقول وقد وقع الإسلام فى قلبى، فقدمت المدينة فسألت عنه فقالوا هو ذاك فى ظل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته ولا أعرفه فسلمت فقال " يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء؟ " فقلت أشهد أنك رسول الله، وأن هذا الأمر ما خرج منى إلى أحد لولا أنك نبى ما أطلعك الله عليه، هلم أبايعك، فعرض على الإسلام فأسلمت ".
وليس فى الآية ما يدل على أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم فيما قيل، فإن الاستجابة يمكن أن تقع فى غيبه تعالى ، وقد روى أنهم علموا ذلك قبل القتال. { وما النصر إلا من عند الله } وأما الأمداد وكثرة العدد ونحوهما فوسائط لا ناصرة، ولا يتأسوا بفقدها أو وما النصر بهذه الوسائط إلا من عند الله فلا تتقوا إلا بالله { إن الله عزيز } غالب قاهر { حكيم } فى ما يفعل، ينصر من اقتضت الحكمة نصره. ومن كتب فى بطاقة فى السابع والعشرين من رمضان { وما جعله إلا بشرى } الآية وجعلها تحت فص خاتم، وحمله هواء وغيره لم يزل حاله مسرورا منصورا على عدوه.
[8.11]
{ إذ } بدل ثان من إذ فى قوله { إذ يعدكم } أو بدل من إذ المبدلة من هذه، وإنما صح الإبدال وهو إبدال الشئ من الشئ فى الموضعين، مع أن كلا من وقت الوعد، ووقت الاستغاثة، ووقت الإغشاء غير الآخر لاعتبار مجموعها وقتا واحدا واسعا، وإن اعتبرت المغابرة فالإبدال إبدال إضراب انتقالى، أو وقت الوعد، ووقت الاستغاثة واحد، أو وإذ هذه مفعول لا ذكروا محذوفا مستأنفا، أو متعلق بالنصر أو باستقرار قوله { من عند الله } أو به لنيابته عن الاستقرار، أو بجعل أو بتطمئن أو بحكيم. { يغشيكم النعاس } فى يغشى ضمير الله، وهو مضارع أغشى تعدى لاثنين بالهمزة والكاف مفعول ثان، والنعاس مفعول أول، لأنه هو المجعول غاشيا، وذلك قراءة نافع والأعرج، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائى بفتح الغين وتشديد الشين، وبه قرأ عروة ابن الزبير، والحسن، وأبى رجاء، وعكرمة وغيرهم، والإعراب مثله فى ذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو إذ يغشاكم النعاس بفتح الياء والشين ورفع النعاس، وبه قرأ مجاهد، وابن محيصن، وأهل مكة وإغشاءهم النعاس إدخاله عليهم وتغطيتهم به، وذلك استعارة، والنعاس النوم الخفيف يصيب الإنسان وهو قائم أو ماش. { أمنة منه } أمنة مفعول لأجله بمعنى أمنا منه، أى من الله نعت أمنة، وفاعل الأمن الله، وأما فى قراءة ابن كثير وفاعلها النعاس على الإسناد المجازى وعليها فالهاء فى منه عائدة للنعاس، والأمنة من أمن المتعدى فى ذلك، وإن جعل من اللازم كان فاعله المسلمون، وفاعل الإغشاء أو التغشية الله ، وفاعل الغشى فى قراءة ابن كثير النعاس، فلا يكون أمنة مفعولا لأجله على المشهور لاختلاف الفاعل، وقد يجعل فاعل الأمنة النعاس على سبيل الإسناد المجازى أيضا، فيتحد الفاعل فى قراءة ابن كثير، أو على أن من حقه أن لا يغشاهم، فلما غشيهم صار كأنه حصلت له أمنة من الله، لولاها لم يغشيهم، ويجوز تضمين يغشيكم ويغشينكم ويغشاكم معنى تنعسون، والأمنة فعل لفاعل ذلك، وهو مصدر أمن، يقال أمن أخوك، وأمنت أخاك أمنا وأمانا وأمنة، وقرأ ابن محيصن أمنة بإسكان الميم. وعن ابن مسعود، وابن عباس النعاس فى القتال أمنة من الله، وفى الصلاة وسوسة من الشيطان، وهذه نعمة عظيمة اشتد حالهم بالخوف والعطش، فألقى عليهم النوم فاستيقظوا، وقد خف عنهم ذلك، ولما ناموا ولم يصبهم العدو فى نومهم، كان ذلك قوة فيهم واجتراء عليه، وكان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لقاموا به وعرفوه، وهو فى ذلك الوقت خارق للعادة، ومعجزة له صلى الله عليه وسلم، كما أن إسماع أهل القليب فيما قيل كذلك، روى أنهم نعسوا حتى وقع السلاح من أيديهم. { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من الحدث والجنابة، وقرئ ينزل بإسكان النون بعد ضم الياء، وقرأ الشعبى ما ليطهركم، قال أبو الفتح بن جنى ما اسم موصل أى الذى للتطهير وهو الماء وهو ضعيف، وقرأ ابن المسيب بسكون الطاء { ويذهب عنكم } وقرأ عيسى بن عمرو بإسكان الباء تخفيفا { رجز الشيطان } وهو الجنابة لأنها من تخييله أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، أو جميع ذلك، والرجز العذاب، وذلك عذاب منه لهم، وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وقرأ ابن العالية بالسين.
{ وليربط على قلوبكم } يشد عليها بالصبر فتتوصل إلى الوثوق بالله واليقين، والتشجع على العدو والتثبيت، ولا حاجة إلى الحكم بزيادة على، فإنه كما يقال ربطت الشئ يقال ربطت عليه { ويثبت به } بالماء { الأقدام } فلا تسوح فى الرمل أو الماء للربط، فانه إذا ربط على القلب ثبت القدم فى موطن القتال، روى أنه صلى الله عليه وسلم، نزل قريبا من بدر، وقد أمطرت السماء غير كثير، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادى، ونزل المسلمون على كثيب أى تراب متراكم أعفر، أى مائل إلى البياض تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وقد سبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه، وحفروا القليب لأنفسهم. وأصبح المسلمون بعضهم محدث، وبعضهم جنب، وأصابهم الظمأ وهم لا يصلون إلى الماء، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبى الله، وأنكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم عطاش وتصلون محدثين مجنبين، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم، فيتحكموا فيكم كيف شاءوا، فأرسل الله عليهم مطرا فى الليل أسال منه الوادى، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضئوا، وسقوا الركاب وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبد الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم فذلك قوله تعالى { وينزل عليكم من السماء ماء } الآية. وكانت الأرض التى عليها المشركون تزلق بهذا الماء فقيل لكثرته فيها، وقيل معجزة ماء واحد على قدر واحد فى أرض واحدة، زلق أرضهم حتى لا يقدروا على الانتقال بسرعة، ولبد أرض المسلمين، قال بعضهم
ناپیژندل شوی مخ