هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ونصروه } على أعدائه { واتبعوا النور } القرآن، سمى نورا لأن إعجازه ظاهر كظهور النور، ولزم من ذلك أنه مظهر لغيره، أو سمى بذلك لأنه كاشف للحقائق مظهر لها، مزيل لظلمة الجهل، تستضئ به القلوب كما تستضئ العين بالنور { الذى أنزل معه } حال من ضمير أنزل مقدرة، لأنه حال الإنزال، وهى حال المجئ به من السماء غير موجود معه، بل يقدر وجوده معه، وإن أريد بالإنزال إنهاءه إليه مجال المقارنة مع كونه معه أنه عنده حاضر، أو أنه مع بعثه أو نبوته بتقدير مضاف، فإن استنباءه مصحوب بإنزال القرآن، ويجوز تعليقه باتبعوا كقولك سرت مع زيد، أى سرت أنا وزيد فى وقت واحد، فالمعنى التبعوه هم ومحمد، أو بمحذوف حال من الواو، أى اتبعناه مصاحبين له فى اتباعه، والمعنى فى ذلك كله اتباع القرآن، ويجوز تعليقه باتبعوا على معنى أنهم اتبعوا القرآن واتبعوا النبى، أى سنته كقولك قرأت الأعراف مع الأنفال تريد أنك قرأتهما معا. { أولئك هم المفلحون } الفائزون بالرحمة الدائمة، وفائدة قوله { فالذين آمنوا به } إلى { المفلحون } ترغيب بنى إسرائيل فى الإخلاص والعمل الصالح، وترك الطالح، كطالب الرؤية باستماع أوصاف أعقابهم المؤمنين، ككعب الأخبار، فيجتهدوا فيما يجمع بينهم فى رحمة الله مع ما تضمن ذلك من تبشير موسى، بأن نبى إسرائيل من يصير من هذه الأمة الكريمة، ومن أن ما دعوت به لقومك يكون لهم إن عملوا كأعقابهم.
[7.158]
{ قل } يا محمد { يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا } حال من الكاف، وإلى الأنبياء والرسل وأممهم من قبلى، وما بعث نبى إلا أخذ عنه ميثاق أن يؤمن به، وإلى الجن، وإلى الجماد والحيوانات كلها والملائكة قاله بعضهم، وذلك حض على اتباعه، وأحلت له الغنائم، ونصر بالرعب أمامه شهر أو تقدم مما خصت به أمته معه شئ ولم يعط ذلك غيره. { الذى } مفعول لأعنى محذوفا أو خبر لمحذوف، وذلك على المدح، أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو، أو نعت لله فصل بينهما بمعموليه، قيل لأنهما كالمتقدم على لفظ الجلالة { له ملك السماوات والأرض } فهو المدبر والمالك، وهو الذى أمرنى أن أخبركم برسالتى إليكم، وكونه مالك السماوات والأرض، موجب لأن يذعن له فى الرسالة من شاء وغيرها. { لا إله إلا هو } إذا لم يجعل خبرا للذى فهو بدل اشتمال من قوله { له ملك السماوات والأرض } لا بدل كل، ولا عطف بيان منه لتغايرهما، وأيضا عطف البيان على ما اشتهر يختص بالأسماء، لا يكون فى جمل خلافا لجار الله، وأيضا ليست هذه لمجرد الإيضاح والتفسير، نعم بينهما وبين الجملة قبلها سببية، فإن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، فليست بأجنبية، ولذلك قلت إنها بدل اشتمال، وهى تتضمن بيانا للجملة قبلها. { يحيى ويميت } بدل اشتمال ثان على إجازة تعدد البدل، أو بدل من البدل على إجازة الإبدال من البدل، أو مستأنف، وعلى كل حال ففيه تقدير للألوهية، لأن غيره لا يقدر على الإحياء والإماتة، فليس بإله ولا بمرسل نبيا { فآمنوا بالله ورسوله } قدم الله لأن الإيمان به أوجب وأصل { النبى الأمى } هذا من كلام الله، فليس فيه التفات، وإن قيل إنه من كلام رسوله المأمور بقوله، ففيه التفات من تكلم لغيبة فى الالتفات مزية بلاغة، والأصل فآمنوا بالله وبى. وعلى الوجهين ففى الكلام التعبير بالظاهر وهو رسول مكان المضمر، إذ الأصل على الوجه الأول فآمنوا بالله وبه، وعلى الثانى فآمنوا بالله وبى، ونكتته إجراء الصفات عليه، وتأكيد الرسالة، وإيذان بان الذى يجب الإيمان به هو رسالته، وهو المعنى بالإيمان به، وبأن موجب الإيمان والرسالة فى أى إنسان كانت، وفى ذلك إظهار للإنصاف وتبرؤ من العصبية لنفسه، ونكتته أيضا إجزاء الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له. { الذى يؤمن بالله وكلماته } ما أنزل عليه وعلى غيره من الأنبياء من الكتب والوحى، وقرأ عيسى بن عمر وكلمته بالإفراد على إرادة الجنس، أو القرآن أو عيسى، وبه قال مجاهد، وإنما سمى كلمة لأنه لم يكن لوجوده سبب سوى قول الله سبحانه { كن } ولم يكن من نطفة رجل ولا امرأة، وقيل كان من نطفة تحدرت من أمه، ويجوز أن يراد بكلماته أو كلمته ما تكون به عيسى وغيره من المخلوقات وهى كن، وزعموا عن قتادة أن المراد بآياته القرآن، وزعموا عن مجاهد والسدى أن المراد بكلماته بالجمع أيضا عيسى، وفى التفسير بعيسى فى الإفراد أو الجمع تعريض باليهود أن من لم يؤمن به فلا إيمان له، وفى التفسير بكتب الله ووحيه تعريض بأن من أنكر حرفا لم يكن مؤمنا، وقرأ الأعمش الذى يؤمن بالله وآياته.
{ واتبعوه } فى أمره ونهيه ووعظه وأخباره وقوله وفعله واعتقاده { لعلكم تهتدون } رجاء الاهتداء، أو لكى تهتدوا، وقالوا لعل من الله واجبة، وإن لم تتبعوه فلا اهتداء لكم ولو آمنتم به.
[7.159]
{ ومن قوم موسى } بنى إسرائيل { أمة } جماعة { يهدون } الناس { بالحق } حال، أو متعلق بيهدون، وهو مثل التوحيد والصلاة وغيرهما، وهم أيضا فى أنفسهم مهتدون كما يدل عليه المقام، فإنه مقام مدح وإرضاء لموسى، فلو كانوا هداة لغيرهم غير مهتدين فى أنفسهم لما مدحوا ولما وقع بهم الإرضاء { وبه } لا بغيره، وتقديمه للحصر والفاصلة { يعدلون } يحكمون فيما بينهم، فالحق المذكور شامل لما ليس من أمر الحكومة كالتوحيد والصلاة، ولما هو من أمر الحكومة كالحكم بالقتل، والحكم بين المتنازعين، ومن عادة القرآن تعقيب ذكر المبطلين بذكر المحقين، وذكر المحقين بذكر المبطلين، تنبيها على تزاحم الخير والشر، والحق والباطل، ما أراد الله بالناس خيرا وإذا أراد بهم شرا اتفقوا على الشر والباطل. وهؤلاء القوم هم من ثبت على دين موسى من أهل زمانه وبعده أخبر أن فى بنى إسرائيل، على شدة عوهم وخلافهم، من ثبت على الدين، وقيل هم من كان فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به، ككعب وعبد الله بن سلام وغيرهما، ممن آمن بجميع الكتب والأنبياء، واعترض بقلتهم، فلا يسمون أمة، ويجاب بجواز تسمية الثلاثة أمة، بل أجيز أيضا تسمية الاثنين جماعة، وقد فسروا الأمة بالجماعة، وأيضا لو سلمنا أنه لا تسمى أمة إلا الكثير، فإنهم سموا أمة تعظيما لإخلاصهم وتشبثهم فى الدين، ولمخالفتهم سائر اليهود، والمخالف للكثير يسمى فى اللغة أمة، ولو واحدا وفى ذلك استجلاب وترغيب للباقين فى الإسلام. وقال السدى، وابن جريج وغيرهما إنه لما قتلوا أنبياءهم، وتفرقوا اثنى عشر سبطا، اعتزل منهم سبط وتمسكوا بدين الله، وسألوا الله أن يبعدهم، ففتح لهم سربا فى الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، وساروا فيه على ما رواه الطبرى، عن ابن جريج، عن ابن عباس سنة ونصفا، فهم هنالك حنفاء مستقبلون قبلتنا. قال السدى، وابن جريج هم خلف واد من شهد، وقال الكلبى، والضحاك، والربيع قوم خلف الصين بأقصى المشرق على نهر يجرى بالرمل يسمى أردان، مستوون فى المال، لا يحبون الزيادة فيه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون ولا يصلهم أحد منا، وإنما جاءنا خبرهم بإخبار النبى صلى الله عليه وسلم عنهم، وقد كلمهم ليلة الإسراء، فقال جبريل هل تعرفون من كلمكم؟ قالوا لا، قال إنه محمد النبى الأمى فآمنوا به، وقالوا يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم محمدا فليقرئه السلام، فرد عليه السلام. وإنما أوصاهم بذلك لأنه لا يعلم أنه سيجتمعون به فى السماء السادسة، أو علم وأوصاهم رغبة، وأقرأهم عشر سور مما نزل عليه بمكة وقد نزل عليه أكثر، واقتصر عليها، وأمرهم بالصلاة والزكاة، ولو كان فرض الزكاة بالمدينة إذ لا مانع من أن تفرض على هؤلاء قبل غيرهم، لتعذر الوصول إليهم بعد ذلك، بل قال بعض العلماء إن الزكاة فرضت بمكة ، بقيد أن الإخبار بها والحمل عليها لا يكون بمكة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، ويتركوا السبت ويأخذوا بالجمعة، وليس ذلك ببعيد، وقد صح أنه نزل ليلة الإسراء بالمدينة ومدين وبيت لحم، وصلى فيهن، وليس بعيدا عن قدرة الله أن يمر بهؤلاء ولو لم يكونوا على طريقه بأن يعدل إليهم، نعم ذلك كلام لم تروه الثقات أعنى كلام القوم وراء الصين، وكونهم المراد بالآية، فالمختار القول الأول ويليه الثانى.
[7.160]
{ وقطعناهم } بالتشديد للتأكيد، أى فرقناهم وقرأ أبو حيوة وابن أبى عبلة بتخفيفه، ورواه إبان عن عاصم { اثنتى عشرة } بإسكان اثنتين حال من الهاء، أو مفعول ثان لقطعنا، لتضمنه معنى صبرنا، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن سليمان بخلاف فتح الشين قرأت هذه الجماعة أيضا، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة بكسرها، وهى لغة تميم، مع أن من عادتهم إسكان الوسط المكسور من اللفظ الثالث، والجمهور على الإسكان وهو لغة الحجاز، وليس أصلها عندهم الكسر، فضلا عن أن يقال ليس من عادتهم إسكان الوسط المذكور، فكيف أسكنوا هنا خلافا لما يتوهمه أبو حاتم. { أسباطا } بدل من اثنتى عشرة بدل كل لا تمييز، لأن تمييز العدد المركب مفرد، والأسباط جمع، والتمييز محذوف أى اثنتى عشرة أمة أو فرقة أو قطعة، قاله ابن أبى الربيع، والشلوبين، وابن هشام وغيرهم، لكن قدروا فرقة، وكذا قال ابن مالك فى شرح التسهيل إنه بدل، وضعف بأن المبدل منه في نية الطرح غالبا، وليس هنا فى نيته، لأنه لو طرح لفاتت الكمية، ولا يحسن حمل القرآن على غير الغالب. قلت ليس كون المبدل فى نية الطرح بمعنى أنه يصح إسقاطه، بل بمعنى أن المقصود بالذات هو معنى البدل، فالمقصود بالذات هنا كون التقطيع على أسباطا لا كمية الأسباط، وقد يخرج القرآن على غير الغالب، ولتعذير التمييز مؤنثا أنث العدد، لأن ما دون الثلاثة يؤنث مع المؤنث، ويذكر مع المذكر، وكذا عشرة مع ما دون الثلاثة، ولو كان تمييزا لقيل اثنى عشرة سبطا بتذكير اثنى وعشر، وأفرد سبط، وقال ابن مالك فى شرح الكافية، إن أسباطا تمييز، وإن ذكر أمما رجح حكم التأنيث فى أسباطا، لكونه وصف بأمما جمع أمة، ويرده أن تمييز العدد المركب مفرد، نعم أجاز الفراء جمعه، وظاهر الآية وقول ابن مسعود قضى فى دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض، يشهدان له. وتخريج أبى حبان أن بنى حال عشرين أو نعته، وتقدير التمييز خلاف الأصل، وقال الحوفى يجوز كون أسباطا نعتا لفرقة، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه على أن فى الكل فرقة من الأثنتى عشرة أسباط لا سبطا واحدا، وأنث العدد لأن السبط الفرقة والأمة، وفيه أن النعت بالجامد خلاف الكثير، والسبط فى ولد إسحاق كالقبيلة فى ولد إسماعيل، قال الزجاج السبط فى الأصل اسم شجر، والأظهر أنه عربى عرب، قيل كانوا اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام، كل واحدة توءم خلاف ما توءمه الآخر، ولا تكاد تتألف ولذلك قال { أمما } جمع أمة بدل ثان، أو بدل من البدل أو نعته، لكنه جامد، أو بدل لم يتقدمه بدل إذا جعلنا أسباطا تمييزا، وبدل من التمييز أو نعته، وكم من تمييز يتم البيان بقيده من تابع أو غيره، فبطل إنكار شيخ الإسلام كونه نعتا للتمييز { وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه } طلبوا منه ماء للشرب فى التيه، وعن الحسن أن الآية فى خروجهم من البحر إذ خرجوا فى أرض بيضاء لا ماء ولا بناء ولا طعام { أن اضرب بعصاك الحجر } المعهود عندك الحاضر، قيل هو حجر واحتمله معه من الطور.
{ فانبجست } انفجرت، والمراد الافتتاح بسعة وكثرة، وزعم بعض أن الانبجاس أخف من الانفجار، ولا تعارض فإنها تسيل أولا قليلا ثم كثيرا، والأصل فضرب فانبجست، وحذف العاطف والمعطوف لعدم اللبس، وليكون الكلام بصورة تسبب الانبجاس عن الإيحاء بالضرب، دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأن ضربه لم يوقف الله الانبجاس عليه بالذات، بل بالعرض لأن يكون معجزة، ويجوز أن يكون التقدير، فإن ضربت بها فقد انفجرت. { منه اثنتا عشرة عينا } لكل سبط عين يخرج ماؤه عذبا يضرب الحجر كلما نزلوا { قد علم كل أناس } كل سبط وهو اسم جمع أو جمع تكسير لناس، على أن أصله أناس بكسر الهمزة أبدلت الهمزة ضمة { مشربهم } موضع شربهم، لا يشرب سبط من مشرب آخر. { وظللنا عليهم الغمام } جعلناه ظليلا مشرفا عليهم، يقيهم من حر الشمس { وأنزلنا عليهم المن } المطر ضعيفا أو دون المطر أو الندى ينعقد لهم حلوا جافا كالصمغ الرطب، أو ينعقد عسلا لكنه أبيض كالثلج { والسلوى } جمع سلوات ككلم وكلمة وهى السمان، وهى طائر، ومن كلام فى ذلك فى سورة البقرة. { كلوا } أى وقلنا لهم كلوا { من طيبات ما رزقناكم } وهى المن والسلوى، وقرأ الأعمش، وعيسى الهمدانى ما رزقتكم بالتاء ويطروا النعمة ولم يشكروها، وملوا من طعام واحد { وما ظلمونا } ما ضرونا ببطرهم وكفرهم النعمة { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } يضرون بذلك، لأنه خلاف ما أمروا به.
[7.161]
ناپیژندل شوی مخ