حجة الوداع

حجة الوداع

ایډیټر

أبو صهيب الكرمي

خپرندوی

بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٩٩٨

د خپرونکي ځای

الرياض

مُقَدِمَةُ الْمُصَنِّفِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ حَسْبِي قَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ الْحَافِظُ نَاصِرُ السُّنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سعيدِ بْنِ حزم بْنِ غالبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ ﵀ وَغَفَرَ لَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَثُرَتْ فِي وَصْفِ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَتَتْ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى وَبِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَوُصِفَتْ فُصُولُ ذَلِكَ الْعَمَلِ الْمُقَدَّسِ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ، حَتَّى صَارَ هَذَا سَبَبًا إِلَى تَعَذُّرِ فَهْمِ تَأْلِيفِهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، حَتَّى ظَنَّهَا قَوْمٌ كَثِيرٌ مُتَعَارِضَةً، وَتَرَكَ أَكْثَرُ النَّاسِ النَّظَرَ فِيهَا مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا تَأَمَّلْنَاهَا وَتَدَبَّرْنَاهَا بِعَوْنِ اللَّهِ ﷿ لَنَا وَتَوْفِيقِهِ إِيَّانَا، لَا بِحَوْلِنَا وَلَا بِقُوَّتِنَا، رَأَيْنَاهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةً وَمُؤْتَلِفَةً مُنْسَرِدَةً مُتَّصِلَةً بَيِّنَةَ الْوُجُوهِ وَاضِحَةَ السُّبُلِ، لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَاشَا فَصْلًا وَاحِدًا لَمْ يَلُحْ لَنَا وَجْهُ الْحَقِيقَةِ فِي أَيِّ النَّقْلَيْنِ هُوَ مِنْهَا فَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ، أَبِمِنًى أَمْ بِمَكَّةَ؟ فَلَعَلَّ غَيْرَنَا يَلُوحُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ

1 / 111

، فَمَنِ اسْتَبَانَ لَهُ مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا مِنْهُ يَوْمًا مَا فَلْيُضِفْهُ إِلَى مَا جَمَعْنَاهُ؛ لِيَقْتَنِيَ بِذَلِكَ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ مِنَ اللَّهِ ﷿، فَلَمَّا يَئِسْنَا مِنْ أَيْنَ يُشْرِقُ لَنَا وَجْهُ الصَّحِيحِ مَعَ طُولِ الْبَحْثِ وَتَقَرِّي الْأَحَادِيثِ، وَبِاللَّهِ ﷿ نَتَأَيَّدُ، فَلَمَّا وَجَدْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، تَكَلَّفْنَا ذِكْرَهَا وَتَرْتِيبَهَا وَضَمَّهَا وَاخْتِصَارَ التِّكْرَارِ، إِلَّا مَا لَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً عَنْ تِكْرَارِهِ لِضَرُورَةِ إِيرَادِ لَفْظِهِ ﵇ أَوْ لَفْظِ الرَّاوِي عَلَى نَصِّهِ؛ لِئَلَّا نُحِيلَ الرِّوَايَةَ عَمَّا أَخَذْنَاهَا عَلَيْهِ فَنَقَعَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ تَحْتَ صِفَةِ الْكَذِبِ، الَّتِي لَا شَيْءَ أَقْبَحُ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْبَيَانِ عَلَى مَنْ أَرَادَ فَهْمَ هَذَا الْبَابِ وَالْوُقُوفَ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ شَاهَدَهُ أَنْ يَحْكِيَ بِلَفْظِنَا ذِكْرَ عَمَلِهِ ﷺ مُنَقَّلَةً مُنَقَّلَةً، مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ إِلَى حِينِ رُجُوعِهِ ﵇ إِلَى الْمَدِينَةِ. ثُمَّ نُثَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِكَيْفِيَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ الصِّحَاحِ الْمُنْتَقَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِمَّا بِلَفْظِهِ وَإِمَّا بِلَفْظِ مَنْ شَاهَدَ فِعْلَهُ ﵇، مِنْ أَصْحَابِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، لِيَكُونَ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ وَشَوَاهِدِ حَقٍّ عَلَى صِدْقِ مَا أَوْرَدْنَاهُ بِأَلْفَاظِنَا مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ نُثَلِّثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﷿ بِذِكْرِ مَا ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ يُعَارِضُ بَعْضَ هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بِهَا، وَنُبَيِّنُ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِبَرَاهِينَ ظَاهِرَةٍ لِكُلِّ مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَالتَّمْيِيزِ حَاشَا الْفَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ اغْتَمَّ عَلَيْنَا: أَيُّ النَّقْلَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ وَأَيُّهُمَا هُوَ الْوَهْمُ، فَإِنَّنَا أَوْرَدْنَاهُمَا مَعًا وَمَا عَارَضَهُمَا أَيْضًا، فَمَا هُوَ دُونَهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَوَقَفْنَا حَيْثُ وَقَفَ بِنَا عِلْمُنَا الَّذِي آتَانَاهُ اللَّهُ ﷿ وَاهِبُ الْفَضَائِلِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَمْ نَقْتَحِمِ الْحُكْمَ فِيمَا لَمْ نَقِفْ عَلَى بَيَانِهِ، وَلَا جَسَرْنَا عَلَى الْقَطْعِ فِيمَا لَمْ يَلُحْ لَنَا وَجْهُهُ، وَلَا

1 / 112

قَضَيْنَا بِالنَّصَّيْنِ فِيمَا لَمْ نُشْرِفْ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمُعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ، فَهِيَ خُطَّةُ خَسْفٍ لَا يَرْضَى بِهَا لِنَفْسِهِ ذُو دَيْنٍ وَلَا ذُو عَقْلٍ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَهَذَا حِينَ نَبْدَأُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ فِي إِيرَادِ كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ ﵇ فِي ذَلِكَ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1 / 113

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: خُلَاصَةٌ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ أَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ النَّاسَ أَنَّهُ حَاجٌّ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ لِلْحَجِّ فَأَصَابَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ جُدَرِيٌّ أَوْ حَصْبَةٌ، مَنَعَتْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الْحَجِّ مَعَهُ، فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِدًا إِلَى مَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي لَمْ يَحُجَّ مِنَ الْمَدِينَةِ مُنْذُ هَاجَرَ ﵇ إِلَيْهَا غَيْرَهَا، فَأَخَذَ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ عَشْرٍ نَهَارًا بَعْدَ أَنْ تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَبَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَطَافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا، ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ وَطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَمْ يَغْسِلِ الطِّيبَ، ثُمَّ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ بِنَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَهَا فِي جَانِبِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَكَانَتْ هَدْيَ تَطَوُّعٍ، وَكَانَ ﵇، سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَأَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِالْقِرَانِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا، وَذَلِكَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِيَسِيرٍ، وَقَالَ لِلنَّاسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ

1 / 115

أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . وَكَانَ مَعَهُ ﵇ مِنَ النَّاسِ جُمُوعٌ، لَا يُحْصِيهَا إِلَّا خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ ﷿، ثُمَّ لَبَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ»، وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، وَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ زَوْجُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ، وَتُحْرِمَ وَتُهِلَّ، ثُمَّ نَهَضَ ﵇ وَصَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ، ثُمَّ تَمَادَى وَاسْتَهَلَّ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةِ الْخَمِيسٌ، لَيْلَةَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفَ حَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂، وَكَانَتْ قَدْ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتَمْتَشِطَ وَتَتْرُكَ الْعُمْرَةَ وَتَدَعَهَا وَتَرْفُضَهَا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْهَا وَتَدْخُلَ عَلَى الْعُمْرَةِ حَجًّا، وَتَعْمَلَ جَمِيعَ أَعْمَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، مَا لَمْ تَطْهُرْ. وَقَالَ ﵇ وَهُوَ بِسَرِفَ لِلنَّاسِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا»، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عُمْرَةً كَمَا أُبِيحَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَادَى عَلَى نِيَّةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا فِيمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَأَمَّا مَنْ مَعَهِ الْهَدْيُ فَلَمْ يَجْعَلْهَا عُمْرَةً أَصْلًا

1 / 116

وَأَمَرَ ﵇ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ ذَلِكَ مَنْ مَعَهُ شَاءٌ أَنْ يُهِلَّ بِالْقِرَانِ: بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا. ثُمَّ نَهَضَ ﵇ إِلَى أَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى، فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ لِذِي الْحِجَّةِ، وَصَلَّى الصُّبْحَ بِهَا، وَدَخَلَ مَكَّةَ نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كُدَاءَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ الْمَذْكُورِ الْمُؤَرَّخِ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا، رَمَلَ ثَلَاثًا مِنْهَا وَمَشَى أَرْبَعًا يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يَمَسُّ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْحِجْرِ، وَقَالَ بَيْنَهُمَا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ثُمَّ صَلَّى عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَقَرَأَ ﵇ إِذْ أَتَى الْمَقَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيْضًا سَبْعًا رَاكِبًا عَلَى بَعِيرِهِ، يَخُبُّ ثَلَاثًا وَيَمْشِي أَرْبَعًا، إِذَا رَقِيَ عَلَى الصَّفَا اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ وَنَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ يَدْعُو، ثُمَّ يَفْعَلُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْمَلَ ﵇ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ أَمَرَ كُلَّ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ حَتْمًا وَلَا بُدَّ؛ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا، وَأَنْ يَحِلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ، مِنْ وَطْءِ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَالْمَخِيطِ، وَأَنْ يَبْقَوْا كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ يَوْمُ مِنًى، فَيُهِلُّوا حِينَئِذٍ بِالْحَجِّ

1 / 117

وَيُحْرِمُوا حِينَ ذَلِكَ عِنْدَ نُهُوضِهِمْ إِلَى مِنًى، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيَ بِالْبَقَاءِ عَلَى إِحْرَامِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ ﵇ حِينَئِذٍ إِذْ تَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ حَتَّى اشْتَرَيْتُهُ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، وَلَأَحْلَلْتُ كَمَا أَحْلَلْتُمْ، وَلَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الْهَدْيَ»، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَلِيٌّ وَرِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْوَفْرِ سَاقُوا الْهَدْيَ، فَلَمْ يَحِلُّوا وَبَقَوْا مُحْرِمِينَ، كَمَا بَقِي ﵇ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ، وَكَانَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَسُقْنَ هَدْيًا فَأَحْلَلْنَ، وَكُنَّ قَارِنَاتِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَكَذَلِكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، أَحَلَّتَا حَاشَا عَائِشَةَ، ﵂، فَإِنَّهَا مِنْ أَجْلِ حَيْضِهَا لَمْ تَحِلَّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَشَكَا عَلِيٌّ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَحَلَّتْ فَصَدَّقَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي أَنَّهُ هُوَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ سَأَلَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْكِنَانِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُتْعَتُنَا هَذِهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ ﵇ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَأَمَرَ ﵇ مَنْ جَاءَ إِلَى الْحَجِّ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى ﵇ عَلَيْهَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِهِ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى أَحْوَالِهِمْ، فَمَنْ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ لَمْ يَحِلَّ، فَكَانَ عَلِيٌّ فِي أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَقَامَ ﵇ بِمَكَّةَ مُحْرِمًا مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ الْمَذْكُورِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَلَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثُمَّ نَهَضَ ﷺ ضَحْوَةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَهُوَ يَوْمُ مِنًى، وَهُوَ يَوْمُ

1 / 118

التَّرْوِيَةِ مَعَ النَّاسِ إِلَى مِنًى، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنَ الْأَبْطَحِ كُلُّ مَنْ كَانَ أَحَلَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، فَأَحْرَمُوا فِي نُهُوضِهِمْ إِلَى مِنًى فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى الظُّهْرَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ الْمَذْكُورِ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَهَضَ ﵇، بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورِ إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ ﵇ بِأَنْ تُضْرَبَ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ شَعْرِ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى ﵇ عَرَفَةَ، وَنَزَلَ فِي قُبَّتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ عَلَى رَاحِلَتِهِ خُطْبَةً ذَكَرَ فِيهَا ﵇ تَحْرِيمَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَوَضَعَ فِيهَا أُمُورَ الْجَاهِلِيَّةِ وَدِمَاءَهَا، وَأَوَّلُ مَا وَضَعَ دَمَ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ مِنْ هَوَازِنَ، فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ، وَذَكَرَ النَّسَّابُونَ أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا يَحْبُو أَمَامَ الْبُيُوتِ، وَكَانَ اسْمُهُ آدَمَ، فَأَصَابَهُ حَجَرٌ غَائِرٌ أَوْ سَهْمٌ غَرْبٌ، مِنْ يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ فَمَاتَ، ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى وَصْفِ عَمَلِهِ ﵇، وَوَضَعَ أَيْضًا ﵇ فِي خُطْبَتِهِ بِعَرَفَةَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوَّلُ رِبًا وَضَعَهُ رِبَا عَمِّهِ الْعَبَّاسِ ﵁، وَأَوْصَى بِالنِّسَاءِ خَيْرًا وَأَبَاحَهُمْ ضَرْبَهُنَّ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، إِنْ عَصَيْنَ بِمَا لَا يَحِلُّ وَقَضَى لَهُنَّ بِالرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَأَمَرَ بِالِاعْتِصَامِ بَعْدَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَنْ

1 / 119

يَضِلَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَأَشْهَدَ اللَّهَ ﷿ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ، فَاعْتَرَفَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ ﵇ أَنْ يُبَلِّغَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَشَرِبَهُ ﵇ أَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، لَكِنْ صَلَّاهُمَا ﵇ بِالنَّاسِ مَجْمُوعَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ لَهُمَا مَعًا وَبِإِقَامَتَيْنِ، لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِقَامَةٌ، ثُمَّ رَكِبَ ﵇ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا لِلدُّعَاءِ، وَهُنَالِكَ سَقَطَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي جُمْلَةِ الْحَجِيجِ فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا يُمَسَّ بِطِيبٍ وَلَا يُحَنَّطَ وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُهُ، وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَسَأَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ هُنَالِكَ عَنِ الْحَجِّ، فَأَعْلَمَهُمْ ﵇ بِوُجُوبِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَوَقْتِ الْوُقُوفِ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَقِفُوا عَلَى مَشَاعِرِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا لِلدُّعَاءِ حَتَّى إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورِ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ ﵇ وَقَدْ ضَمَّ زِمَامَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رِجْلِهِ، ثُمَّ مَضَى يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، وَكِلَاهُمَا ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ آكَدُهُمَا، وَالْفَجْوَةُ الْفُسْحَةُ مِنَ النَّاسِ، كُلَّمَا أَتَى رَبْوَةً مِنْ تِلْكَ الرَّوَابِي أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَهَا، وَهُوَ ﵇ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالسَّكِينَةِ فِي السَّيْرِ

1 / 120

، فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ الشِّعْبِ الْأَيْسَرِ، نَزَلَ ﵇ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، وَقَالَ لِأُسَامَةَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ» أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ السَّبْتِ الْعَاشِرَةِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَجْمُوعَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ دُونَ خُطْبَةٍ، وَلَكِنْ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ لَهُمَا وَبِإِقَامَتَيْنِ، لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِقَامَةٌ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ ﵇ بِهَا، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَقَامَ ﵇ وَصَلَّى الْفَجْرَ بِالنَّاسِ بِمُزْدَلِفَةَ يَوْمَ السَّبْتِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مُغَلِّسًا أَوَّلَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ، وَهُنَالِكَ سَأَلَهُ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ عَمَلَهُ أَنَّهُ حَجَّ، فَقَالَ لَهُ ﵇: «إِنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، بِمُزْدَلِفَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ النَّاسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَإِلَّا فَلَمْ يُدْرِكْ» . وَاسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ فِي أَنْ تَدْفَعَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ لَيْلًا، فَأَذِنَ لَهُمَا وَلِأُمِّ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ وَلِلنِّسَاءِ وَلِلضُّعَفَاءِ بَعْدَ وُقُوفِ جَمِيعِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ، وَذِكْرِهُمُ اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، إِلَّا أَنَّهُ ﵇ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الرَّمْيِ بِلَيْلٍ وَلَمْ يَأْذَنْ لِلرِّجَالِ فِي ذَلِكَ، لَا لِضُعَفَائِهِمْ وَلَا لِغَيْرِ ضُعَفَائِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ كَوْنِهِ ﵇ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَلَمَّا صَلَّى ﵇ الصُّبْحَ كَمَا ذَكَرْنَا بِمُزْدَلِفَةَ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ بِهَا فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا اللَّهَ ﷿ بِهَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَوَحَّدَ، وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا بِهَا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، وَقَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَدَفَعَ ﵇ حِينَئِذٍ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَقَدْ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَانْطَلَقَ أُسَامَةُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ، وَهُنَالِكَ سَأَلَتِ الْخَثْعَمِيَّةُ النَّبِيَّ ﷺ الْحَجَّ عَنْ أَبِيهَا الَّذِي لَا يُطِيقُ الْحَجَّ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وَجَعَلَ ﵇ يَصْرِفُ بِيَدِهِ وَجْهَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّظَرِ

1 / 121