غرائب القرآن او رغائب الفرقان
غرائب القرآن و رغائب الفرقان
الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا. (السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين ، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلابد من تأويل ، وأصحه أن يقال : المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف ، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى ، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل : إنه علامة وضعها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا ، عن أبي الهزيل. وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم. وقيل : أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ( وقال الذين لا يعلمون ) يعني الجهلة من المشركين. وقيل : من أهل الكتاب أيضا. ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به. فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد ، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة. ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطرق المؤدية إلى المطلوب ، ثم إنه تعالى كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [النجم : 10] فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟ فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟ وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله تعالى بقوله ( كذلك قال الذين من قبلهم ) من مكذبي الرسل ( تشابهت قلوبهم ) أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ( أتواصوا به ) [الذاريات : 53] فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل ( لن نصبر على طعام واحد ) [البقرة : 61] ( أرنا الله جهرة ) [النساء : 153] ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) [الأعراف : 138] فكذلك هؤلاء المشركون ( قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) [الإسراء : 90] ( لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) [الفرقان : 21] وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ( يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) [النساء : 153] ( قد بينا الآيات لقوم ) يفقهون ف ( يوقنون ) أنها آيات. فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم ، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وأيضا لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها ، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضا ، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وكإيجابها استئصالهم بالكلية إذا
مخ ۳۷۹