الفتوحات المکيه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
خپرندوی
دار إحياء التراث العربي
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1418هـ- 1998م
د خپرونکي ځای
لبنان
لا خلاف أن غسل الوجه فرض وحكمه في الباطن المراقبة والحياء من الله مطلقا وذلك أن لا تتعدى حدود الله تعالى واختلف علماء الرسوم في تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع منها البياض الذي بين العذراء والأذن والثاني ما سدل من اللحية والثالث غسل اللحية فأما البياض المذكور فمن قائل أنه من الوجه ومنقائل أنه ليس من الوجه وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل بوجوب إمرار الماء عليه ومن قائل بأن ذلك لا يجب وأما تخليل اللحية فمن قائل بوجوب تخليلها ومن قائل أنه لا يجب وصل في حكم ما ذكرناه في الباطن أما غسل الوجه مطلقا من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن منه ما هو فرض ومنه ما ليس بفرض فأما الفرض فالحياء من الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وأما السنة منه الحياء من الله أن تكشف عورتك في خلوتك فالله أولى أن تستحي منه مع علمك أنه ما من جزء فيك إلا وهو يراه منك ولكن حكمه في أفعالك من حيث أنت مكلف ما ذكرناه وقد ورد به الخبر وكذلك النظر إلى عورة امرأتك وإن كان قد أبيح لك ذلك ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى فيسقط الفرض فيه أعني في الحياء في مثل قوله لا يستحي من الحق فما يتعين منه فهو فرض عليك وما لا يتعين عليك فهو سنة واستحباب فإن شئت فعلته وهو أولى وإن شئت لم تفعله فيراقب الإنسان أفعاله وترك أفعاله ظاهرا وباطنا ويراقب آثار ربه في قلبه فإن وجه قلبه هو المعتبر ووجه الإنسان وكل شيء حقيقته وذاته وعينه يقال وجه الشيء ووجه المسئلة ووجه الحكم ويريد بهذا الوجه حقيقة المسمى وعينه وذاته قال تعالى ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة والوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون وإنما الظن لحقيقة الإنسان فالحياء خير كله والحياء من الإيمان والحياء لا يأتي إلا بخير وأما البياض الذي بين العذار والأذن وهو الحد الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في سمعه فالعمل في ذلك إدخال الحد في المحدود فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره فكما أنه من الحياء غض البصر عن محارم الله قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ' قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ' باطن هاتين الآيتين خطاب النفس والعقل كذلك يلزمه الحياء من الله أن يسمع ما لا يحل له سماعه من غيبة وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي ولا يحل له التلفظ به فإن ذلك البياض بين العذار والأذن وهو محل الشبهة وصورة الشبهة في ذلك أن يقول إنما أصغيت إليه لأرد عليه وعن الشخص الذي اغتيب وهذا من فقه النفس فقوله هذا هو من العذار فإنه من العذر أي الإنسان إذا عوتب في ذلك يعتذر بما ذكرناه وأمثاله ويقول إنما أصغيت لأحقق سماعي قوله حتى أنهاه عن ذلك على يقين فكنى عنه بالعذار ويكون فيمن لا عذار له موضع العذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غلة بما قال تعالى ' الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ه ' أي بين لهم الحسن من ذلك من القبيح وأولئك هم أولوا الألباب أي عقلوا ما أردنا وهو من لب الشيء المصون بالقشر ومن لم ير وجوب ذلك عليه إن شاء عسل وإن شاء ترك كمن يسمع ممن لا يقدر على رد الكلام في وجهه من ذي سلطان يخاف من تعديه عليه فإن قدر على القيام من مجلسه انصرف فذلك غسله إن شاء وإن ترجح عنده الجلوس لأمر يراه مظنونا عنده جلس ولم يبرح وهذا عند من لا يرى وجوب ذلك عليه وأما غسل ما انسدل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض فإن اللحية شيء يعرض في الوجه ما هي من الوجه ولا تؤخذ في حده مثل ما يعرض لك في ذاتك من المسائل الخارجة عن ذاتك فأنت فيها بحكم ذلك العارض فإن تعين عليك طهارة نفسك من ذلك العارض فهو اعتبار قول من يقول بوجوب غسل ذلك وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحبابا أو تركته لكونه ما تعين عليك ولكن هو نقص في الجملة فهذا قول من يقول ليس بواجب وهو مذهب الآخرين وقد بينا لك فيما تقدم من مثل هذا الباب إن حكم الباطن في هذه الأمور بخلاف حكم الظاهر فيما فيه وجه إلى الفرضية ووجه إلى السنة والاستحباب فالفرض لابد من العمل به فعلا كان أو تركا وغير الفرض فيه أن تنزله في الامتثال منزلة الفرض وهو أولى فعلا وتركا وذلك سار في سائر العبادات .
مخ ۴۲۰