الفتوحات المکيه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
خپرندوی
دار إحياء التراث العربي
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1418هـ- 1998م
د خپرونکي ځای
لبنان
العبودية ذلة محضة خالصة ذاتية للعبد لا يكلف العبد القيام فيها فإنها عين ذاته فإذا قام بحقها كان قيامه عبادة ولا يقوم بها إلا من يسكن الأرض الإلهية الواسعة التي تسع الحدوث والقدم فتلك أرض الله من سكن فيها تحقق بعبادة الله وأضافه الحق إليه قال تعالى يا عبادي إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون يعني فيها ولي مذ عبدت الله فيها من سنة تسعين وخمسمائة وأنا اليوم في سنة خمس وثلاثين وستمائة ولهذه الأرض البقاء ما هي الأرض التي تقبل التبديل ولهذا جعلها مسكن عباده ومحل عبادته والعبد لا يزال عبدا أبدا فلا يزال في هذه الأرض أبدا وهي أرض معنوية معقولة غير محسوسة وإن ظهرت في الحس فكظهور تجلي الحق في الصور وتجلي المعاني في المحسوسات ولا تظهر المعاني في الصور الحسية إلا لقصور بعض النفوس عن إدراك ما ليس بمادة فإذا كان متضلعا من المعرفة بالله لم ير المعاني في مواد ولا أرى المواد في غير نفسها فأدرك كل شيء في شيئيته كانت ما كانت وهذا هو الإدراك الذي يعول عليه لأنه بريء من التلبيس ولا يصح بوجه من الوجوه أن يشهد الإنسان محض عبوديته ولا يقام في عبادته المحضة التي لا يخالطها شيء من الربوبية التي تعطيه الصورة التي خلق عليها إلا عن تجل إلهي فإذا لم يكن تجل فإن الإنسان يقام في الصورة التي خلق عليها فيكون عبدا ربا مالكا مملوكا مثل العامة سواء غير أن الفارق بينه وبين العامة أنه للعامة اعتقاد ولعلماء الرسوم علم ولهذه الطائفة شهود وهو العبد الممتزج الظاهر بالحقيقتين وما يتخلص من هذا المزج إلا أهل العناية الذين يعمرون هذه الأرض الواسعة التي لا نهاية لها وكل أرض سواها فمحدودة ليس لها هذا الحكم ولهذا أربابها كثيرون فإن لكل عبد فيها ملكا يملكه ويتصرف فيه فلا يتعدى غيره عليه وبنفس ما يملك منها كان مالكا وربا فيها وهذه الأرض الواسعة هي المتصرفة في سكانها الحاكمة عليهم بذاتها وهي مجلى الربوبية ومنصة المالك الحق وفيها يرونه فمن كان من أهلها حيل بينه وبين الصورة التي خلق عليها فكان عبدا محضا شاهدا يشاهد الحق في عين ذاته فالشهود له دائم والحكم له لازم وهؤلاء هم المسودون الوجه في الدنيا والآخرة إذا علمت ذلك فالرب رب والعبد عبد فلا تغالط ولا تخالط
إن أرض الله واسعة . . . فاعبدوا فيها الذي هي له
بلغوه في عبادتكم . . . بالذي ترجونه أمله
فالذي له لكم وادلي . . . لك من نعت فما هو له
وإذا ما قال لست هنا . . . إنه أقامكم مثله
ذلكم معنى الخلافة في . . . أرضه فاسلك بها سبله
ولتقم بعين صورته . . . في الذي أقامكم بدله
واعملوا في كل آونة . . . بالذي أراكم عمله الانتقالات في الأحوال من أثر كونه كل يوم هو في شأن والعالم كله على الصورة وليس هو غير الشؤون التي تظهر بها ولا يشهد هذا الأمر كشفا إلا أصحاب الأحوال ولا يشهد هذا حالا إلا أهل السياحات ولا يشهد علما إلا القائلون بتجدد الأعراض في كل زمان فإن من عباد الله من لا يعرف بمكان إلا انتقل عنه إلى مكان غيرة منه على الله وعلى نفسه فأما غيرته على الله فإنه لا يعرف إلا به فحاله هو الذي يظهره الحق لهم فيغار على الجناب الإلهي حيث لا يذكر الله إلا به وينبغي في نفس الأمر أن لا يذكروا الله إلا بالله فلما رأوا أن الأمر ظهر بالعكس وهو قوله عليه السلام حين قيل له من أولياء الله قال الذين إذا رأوا ذكر الله فغاروا من هذا وأرادوا احترام الجناب الإلهي حتى يذكروه ابتداء لا بسبب رؤيتهم وأما غيرتهم على نفوسهم فإنهم ما تحققوا بالحق في تقلباتهم لمشاهدتهم شؤون الحق إلا حتى لا يعرفهم الخلق كما لا يعرفون الحق فما داموا يجهلون في العالم طاب عيشهم وعلموا أن الله قد جعلهم أخفياء أبرياء مصانين في الكنف الأحمى من جملة ضنائنه فمتى ما عرفوا انتقلوا إما بالحال وهو التصرف بحكم العادات التي هي مثل الآيات المعتادة فلا يعرفها إلا الذين يعقلون عن الله وإما بالانتقال الحسي المكاني من مكان إلى مكان لتحققهم بالحق في نزوله من سماء إلى سماء فمن أراد أن يتمتع بوجود هذا الصنف ومشاهدته ويستفيد منه من حيث لا يشعر فلا يظهر له أنه يعرفه ويظهر العزة عليه والاستغناء عنه ويصحبه صحبة عادة العامة ولا تبدو منه كلمة لا يرضاها الله فإنه لا يحتملها صاحب هذا الحال وينفر منه كما ينفر ممن يعلمه فلا يعامله إلا بواجب أو مندوب أو مباح خاصة هكذا يقتضي حالهم
من شهد الحق في شؤونه . . . أقامه الحق في فنونه
فهو عليم بكل شيء . . . أشهده ذلك من مبينه
فهو الإمام الذي سناه . . . يظهر في الكون من جفونه
فكل شيء تراه عينا . . . فإنما ذاك من عيونه
تفجرت في القلوب علما . . . عينا وحقا إلى يقينه
سبحان من لا يراه غيري . . . كما أراه على شؤونه
مخ ۲۲۰