فن السيرة
فن السيرة
خپرندوی
دار الثقافة
شمېره چاپونه
٢
•
مقدمة
كنت، وما أزال، أومن بأن الحديث في السيرة، والسيرة الذاتية، يتناول جانبًا من الأدب العربي عامرًا بالحياة، نابضًا بالقوة، وإن هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيار الفكر العربية والنفسية العربية، لأنه صورة للتجربة الصادقة الحية التي أخذنا نتلمس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، فنجدها واضحة في الفهم النفسي والاجتماعي عند الجاحظ وأبي حيان وابن خلدون، ونلقاها في رحلة ابن جبير وأحسن التقاسيم وصورة الأرض، ونستقريها في سخرية المازني والشدياق وثورة جبران والمعري، فإذا جئت اليوم أعرض سيرة صلاح الدين لابن شداد، أو سيرة ابن طولون للبلوي، أو الصراع الروحي في المنقذ من الضلال، أو الصلابة في نفسية ابن خلدون
1 / 1
أو الشجاعة المؤمنة بمصيرها في مذكرات أسامة، فإنما أحاول أن أنقذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، وأضع مفهومًا أوسع لمهمة الأدب؛ ذلك لأن الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل، أما أولئك الذين يذهبون بنا في شعاب من الصنعة " الرسمية " فإنهم يستنزفون جهودنا على غير طائل، وينقلون تفاهة الماضي الذي عاشوا فيه إلى حاضرنا الذي نرجوه لما هو أجدى.
فوراء هذه الفصول التي كتبتها رغبة ذاتية مخلصة في أن أعرض موضوعًا أحببته وعشت في تجارب أصحابه مدة من الزمن. ولشغفي بتلك التجارب، استكثرت من الأمثلة، وخاصة حين عرضت للسير الذاتية في الأدب العربي، وإنما أريد لأبقي تلك الأمثلة حية في النفوس، ولأقرب الشقة بين القارئ ومصادر يظنها صلبة عند المضغ، عسرة على الهضم. وقد بنيت هذه الدراسة على الاختيار فلم أثقل على القارئ بتصنيف معاجم السير وكتب الطبقات، فهذا على أنه خارج عن مفهوم السيرة الفنية، إنما مكانه كتب الفهارس العامة، والتعاليق الخاصة عن الشيوخ. واقتصرت على كتب وأمثلة يسهل الحصول عليها، لعلمي بإن المخطوط من السير، وهو قدر كبير، لا يتيسر لكل قارئ.
ومزجت بين العرض التاريخي والتحليل غير المستقصي لبعض النماذج، مقسمًا نظرتي في السير بين الأدب العربي والأدب الغربي
1 / 2
- والإنجليزي خاصة؟ لا طلبًا للمقارنة وإنما من أجل شمول النظرة وتنويع الأمثلة وتطعيم الدراسة.
على إن مثل هذه الدراسة المزدوجة خليق أيضًا أن يبعث على المقارنة الصحيحة فلا ضير في أن يستنتج القارئ تفوق الآداب الغربية على الأدب العربي في فن السير والتراجم الشخصية فذلك حافز على العمل، ولا بأس أن يجد إن خير سيرة كتبت في أدبنا الحديث إنما كتبها من كان مغموس النفس في أدب الغرب لا من كان ممسوحًا به في الظاهر؛ ولا ينقص من قدر السيرة لدينا إذا عرفنا أن خط التطور في السيرة بالغرب أوضح منه في الشرق. خضوعًا للتغير في القاعدة الاجتماعية؛ فبعد النهضة وبزوغ الروح الديمقراطية أخذ الكتاب؟ مثلًا؟ يكتبون سيرة العاديين من الناس ولا يكتفون بكتابة سير الملوك والقديسين. ولكن البيئة العربية لم تكن، فيما يبدو، بحاجة إلى هذا التطور، فإن مؤرخًا مثل ابن زولاق، يكتب سيرة سيبويه المصري، وهو أحد عقلاء المجانين، بنفس الاهتمام الذي يكتب به سيرة ابن طولون والأخشيد في دور مبكر من تاريخ السيرة.
وإني لأعلم أن الاتجاه في الحياة المعاصرة، أخذ يتشكل نحو الجماعة بخطى سريعة، وهذا قد يقلل من تقديس الأبطال، ويخمل دور الفرد في الحياة، ويغير مفهومات الناس عن قيمة ذلك الدور، ومن ثم تقل الرغبة في السير عامة، ولكننا نسيء إلى روح الجماعة إذا اعتقدنا أن التجربة الفردية لا قيمة لها، فقد
1 / 3
تزول عبادة الأبطال من النفوس، وقد يفقد الفرد معنى التفرد الأناني، ولكن شيئًا واحدًا لا يزول هو هذه التجارب الحية، وطريقة التعبير عنها؛ وكل ما سيحدث إن المفهومات الجماعية ستنعكس على تلك التجارب وتصبغها بلون جديد.
فإن استطاعت هذه الفصول أن تحبب إلى القراء العودة إلى كتب السير والتراجم الذاتية، والتوفر على قراءتها، فقد أدت مهمتها، وإن استطاعت أن تصل بينهم وبينها بسبب، ولو كان سببًا من المعرفة العابرة، فإنها أيضًا لم تذهب عبثًا ولم يكن الجهد فيها مضيعًا.
بيروت في أول حزيران (يونيو) ١٩٥٦ إحسان عباس
1 / 4
١ - تاريخ السير عند المسلمين
القدرة على الإحساس بالتاريخ، كسائر المزايا الإنسانية، موطن للتفاوت بين الأفراد، ومجال تتباين فيه الجماعات والأمم. وقد يقنعنا اشبنجلر (١) Spengle وهو يحاول أن يثبت هذه الميزة لأمة كالمصريين القدماء، وينفيها أو يقلل من أثرها في عالم الحضارة الكلاسيكية؟ اليونانية والرومانية؛ فالأمة التي تحرق جثث رجالها، ولا تعنى بتسجيل أعمالهم، وإذا مضى على وفاة أحد عظمائها ستون سنة لم تستطع أن تتحقق إن كان ذلك العظيم شخصية تاريخية أو خرافية، لهي أمة؟ فيما يراه اشبنجلر؟ ضعيفة الإحساس بالتاريخ؛ كذلك كانت الأمة
(١) Spengler: The Decline of the West، vol، ١، pp. ١٣، ١٤.
1 / 7
اليونانية تتخذ تماثيلها من أبطال الأساطير، ولم يحاول أي عظيم فيها أن يكتب مذكرات تعين عينه الداخلية على تركيز شيء من وجوه التجربة، فلم يحدثنا سقراط نفسه عن حياته الذاتية بشيء ذي قيمة، وليس عند أفلاطون تطور واعٍ للأفكار والمبادئ، وكتبه ليست إلا نظرات متباينة من زوايا مختلفة. أما الجماعة التي تعيش في ماضيها ومستقبلها وتدور حياتها على التخليد والتأبيد، وتسجل سير رجالها على الجدران وفي أوراق البردي وتتخذ مادة تماثيلها من حجارة شديدة الصلابة كالبازلت والجرانيت، فإن إحساسها بالتاريخ عميق دقيق.
ويرد مؤرخ آخر (١) هذا الرأي وينكر الإحساس الدقيق بالتاريخ عند المصريين القدماء لأنهم كانوا يتصورون عالمهم ثابتًا لا يتغير، انبثق من يد الإله خلقًا سويًا كاملًا، فلم تعد الأحداث التاريخية فيه الاهتزازات سطحية في نظام مقرر مستقر؛ وكل شيء في الحضارة المصرية من تأليه للحيوانات والملوك، ومن أهرام وتحنيط، ومن أمثال وحكم، وأشكال من الشعر والفن؟ كل شيء من هذه المظاهر الحضارية يدل على أن الثابت كان في نظرهم هو الشيء الهام الحافل بالقيم، وإن ليس من قيمة للماضي والمستقبل إلا بمقدار تجسد الحاضر لهما.
غير أن هذا الخلاف بين العلماء في تمثيل الإحساس بالتاريخ
(١) Frankfort، H.: the Birth of Civilization pp. ٢٩، ٢١.
1 / 8
عند أمة وأخرى، لن يطمس حقيقة هامة، وهي أن ذلك الحس التاريخي هو الأب المنجب للسير يوم كانت السير جزءًا من التاريخ، ويوم كانت حياة الفرد تمثل جانبًا هامًا من تصور الناس للتاريخ، وإيمانهم بإن الفرد هو الذي يكيف الأحداث ويرسم الخطط، ويقوم بالتفكير والتنفيذ، وتتضاءل إلى جانبه؟ أعني جانب الفرد العظيم؟ كل حقيقة أرضية أخرى.
ففي أحضان التاريخ؟ إذن؟ نشأت السيرة وترعرعت، واتخذت سمتًا واضحًا، وتأثرت بمفهومات الناس عنه على مر العصور، وتشكلت بحسب تلك المفهومات، فكانت تسجيلًا للأعمال والأحداث والحروب المتصلة بالملوك عند الصينيين والمصريين والآشوريين، وكانت تفسيرًا لبعض المبادئ السياسية عند فلوطارخس Plutarch في كتابه عن عظماء اليونان والرومان؛ وربما نجح فلوطارخس في السيرة نجاحًا أوفى لو أنه قلل الالتفات إلى تصوير حقبة كاملة وزاد من اهتمامه بحركات الأشخاص أنفسهم.
حتى إذا تغيرت النظرة إلى التاريخ وأصبحت له فلسفة خاصة، أخذ بعض الباحثين المحدثين يتساءل: أحقًا أن السيرة جزء من التاريخ؟ وقد أنكر الأستاذ كولنجوود (١) " Collingwood " اعتبار السيرة كذلك، لأنها تفقد القاعدة
(١) The Idea of History، p. ٣٠٤.
1 / 9
الصحيحة التي يقوم التاريخ عليها، فحدود السيرة هي الأحداث البيولوجية الواقعة بين ولادة شخص وموته، من طفولة ونضج وأمراض وغيرها، فهي صورة للوجود الحيواني الجسماني، وقد يرتبط بها كثير من العواطف الإنسانية، ولكن هذا كله ليس تاريخًا. وإلى مثل هذا يذهب توينبي (١) Toynbee أيضًا فهو يخرج من دائرة التاريخ ما يتصل بالسير الذاتية كاعترافات القديس اوغسطين وروسو، أو حياة الملكة فكتوريا لستراتشي ويقول: إن هذه الكتب تشتبك بالتاريخ لأنها تدور حول أناس لهم قيمتهم في الحياة الاجتماعية، فللقديس اوغسطين مثلًا أثره العميق في الكنيسة المسيحية، ولأفكار روسو أثر في نقل العالم الحديث إلى عالم أحدث، وحيوات هؤلاء الناس هامة في نظر الآخرين، لما كان لهم من ميزة تاريخية وميزة فردية. فإذا علقنا التاريخ بالسيرة وقعنا في الخطأ من حيث الطريقة. ويثني توينبي على ما حققه ليتون ستراتشي في سيرة الملكة فكتوريا لأنه استطاع أن ينتزع تاريخها الفردي من حياة العصر الذي عاشت فيه.
على أنا إذا استبعدنا هذه النظرة الحديثة في فهم التاريخ، وجدنا أن السيرة كانت من ناحية عملية تاريخًا في نشأتها وغايتها، وإننا حين نريد أن نقيسها بمقياس جديد نستطيع أن نقول (٢):
(١) A Study of History. Vol. I. pp.٤٤٧ - ٤٨.
(٢) Shotwell: The History of History، p. ٧.
1 / 10
كلما كانت السيرة تعرض للفرد في نطاق المجتمع، وتعرض أعماله متصلة بالأحداث العامة أو منعكسة منها أو متأثرة بها فإن السيرة؟ في هذا الوضع؟ تحقق غاية تاريخية؛ وكلما كانت السيرة تجتزئ بالفرد، وتفصله عن مجتمعه، وتجعله الحقيقة الوحيدة الكبرى، وتنظر إلى كل ما يصدر عنه نظرة مستقلة، فإن صلتها بالتاريخ تكون واهية ضعيفة.
وكثيرًا ما ابتعدت السيرة عن هذا الأصل التاريخي، وحين أصبحت غايتها تعليمية أو أخلاقية. وقد تمخضت الاتجاهات الدينية؟ والزهدية منها بوجه خاص؟ عن هذا الانحراف بالسيرة، فكتابة سيرة القديس انتوني، أو سير الآباء في صحراء مصر، أو سيرة القديسة كولمبا أو غيرها من القديسات والقديسين إنما كانت تمليها غايات أخلاقية خالصة. وقد كثر هذا اللون من السير في أدب أوربا المسيحية بالقرون الوسطى حتى غلب على ما عداه. على إن هنا موطنًا يحسن التنبه له وهو إن علم الأخبار؟ أو التاريخ نفسه؟ كان في القرون الوسطى يخدم غاية خلقية حتى عند مؤرخ شامل النظرة عميق الفلسفة كابن خلدون، فإن الغاية من التاريخ عنده هي الكشف عن القدوة الحسنة، وتجنب المزالق والاعتبار بأخطاء الماضي. وكذلك هي غاية التاريخ عند رجل يعكس الأثر الديني العميق مثل ابن حزم، فهو ينصح المتعلم بقراءة التاريخ، " ليقف على حمد
1 / 11
المتقين للفضائل فيرغب فيها ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها " (١)؛ وتلك هي الغاية التي يصادفها كل من يطالع " الإعلان بالتوبيخ " للسخاوي حيث جمع المؤلف مقدمات الكتب التاريخية التي يتحدث فيها المؤرخون عن حد التاريخ وغاياته وفوائده، ويكفي أن أنقل هنا قول ابن الجوزي في مقدمة شذور العقود: " إن التواريخ وذكر السير راحة للقلب وجلاء للهم وتنبيه للعقل فإنه ... إن شرحت سيرة حازم علمت حسن التدبير، وإن قصت قصة مفرط خوفت من إهمال الحزم " (٢) . وفي قول ابن الجوزي دلالة دقيقة وهي اعتقاده أن التاريخ ليس إلا مجموعة متنوعة من السير.
ولم تكن الغاية الخلقية معدومة في نشأة التاريخ والسير عند المسلمين؛ فإن القرآن الكريم؟ وهو الذي عمق الإحساس التاريخي عند العرب حين قص عليهم قصص الأمم الخالية، وحين وصلهم بالأمم وجعل تاريخ الخليقة مجالًا لنظرهم؟ إن القرآن حين فعل ذلك كله، كان يهدف إلى إثارة العبرة في نفوسهم؛ ولكن من المدهش حقًا إن هذه الغاية الخلقية كانت أضعف المظاهر حين بدأ المسلمون بكتابة السير، وقد بدأوها بكتابة سيرة الرسول، وكان هذا البدء يشير إلى درس أخلاقي عميق في حياتهم، لو شاءوا أن يتخذوا سيرة الرسول لتلك
(١) رسائل ابن حزم: ٧١.
(٢) الإعلان: ٢١.
1 / 12