فکر سامي

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

خپرندوی

دار الكتب العلمية-بيروت

شمېره چاپونه

الأولى-١٤١٦هـ

د چاپ کال

١٩٩٥م

د خپرونکي ځای

لبنان

المجلد الأول
المقدمات
مقدمة التحقيق
...
باب المقدمات:
مقدمة التحقيق:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
إنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلال في النار.
أما بعد:
"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" سفر جليل لعالم نحرير مدقق من جهابذة الخلف، تناول مُؤَلَّفَه نشأة العلوم الإسلامية، وهي متشعبة، لكنه ربط هذا بفقه، فجعله بابة الكتاب، فأجاد وأفاد عليه -رحمة الله.

1 / 5

وكم كانت تمس الحاجة لطرق هذا الموضوع لأهميته، فقد أصبحت العلوم السالفة طلاسم ذهبت مفاتيحها بانقطاع السند وقله أهل العلم، حتى حار طلاب العلم في تحصيل العلوم، فمنهم من طرق باب التمذهب عسى أن يجد ضالته.
ومنهم: من طرق باب المتون، ومنهم من ضرب سهم في الحديث، ومنهم ...، ومنهم ...
فما كانت حصيلة هؤلاء إلّا تعقيد الجرير في الجرير، فما كانت بضاعتهم في العير، ولا في النفير -إلا مَنْ رحم ربي- حيث بدؤا مما انتهى إليه الأوَّلون، فلم يعرف هؤلاء درب المتقدمين في التأليف، إنما نظروا لرسمهم فحفظوا نقوشهم.
فهؤلاء كمن وقف أمام قصر عظيم متسع الأركان، كثير الحجرات، فأراد أن يدخل، لكن أبوابه موصدة، فعمد إلى تسوّرِ الأسوار، فبذل جهدًا جهيدًا، فقد يصل أو لا.
كذلك من طرق سبل التعلم دون أن يقف على التصور -إن صح التعبير- لنشأة العلوم وتطورها والطفرات العلمية، وظهور المدارس، وغير ذلك.
فهذا التصور أساس فهم العلوم والتبحر فيها، وجدير بالإشارة أن هذه العلوم لم تكن لها منهجية في حياة الأمة، أو مشروع نظامي، إنما نشأة العلوم وتطورها تكفل إلهي من الله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وإنما غاية هذا "الفكر السامي" تصور اجتهادي مع دعم ذلك التصور بالحقائق التاريخية الثابتة، فهذا مؤلف فريد في بابه، عظيم في جوابه، قسم فيه مُؤلِّفه مادته إلى أربعة أقسام:
أ- القسم الأول: سماه: "طور الطفولية"، ويعني: نشأة الفقه، وهو الذي

1 / 6

يبدأ ببعثة النبي ﷺ، وينتهي بوفاته.
ب- القسم الثاني: سماه: "طور الشباب"، وهو عصر الاجتهاد، ويبدأ ببداية عهد الخلفاء الراشدين، وينتهي بنهاية القرن الثاني.
ج- القسم الثالث: سماه: "طور الكهولة"، وفي هذا الطور بيَّنَ فيه المؤلف توقف الخط البياني للفقه عن الصعود، أي أنه لم تُضف للفقه أيّ إضافات جديدة بحركة الاجتهاد، إنما انتشر خط جديد وهو التقليد والركون إليه.
د- القسم الرابع: سماه: "طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم"، وهو عنوان يتحدث عن مضمونه فلا يحتاج إلى تفصيل، ويبدأ ببداية القرن الخامس إلى وقتنا هذا.
ومما لا شَكَّ فيه عظم الخطب المتناول في هذا التصنيف البديع.
وكثير ما روادتني فكرة التأليف في هذا الموضوع لأهميته القصوى، ووعدت إخواني القراء بذلك في تقديمي لكتاب "الترغيب والترهيب"، كذا "الإقناع لابن المنذر"، فكانت مشيئة العليم الحكيم أن يقع في يدي هذا السفر الجليل، فرأيته حريّ بالاعتناء، وبضاعة ثمينة يجب أن تنشر، وما يفعل التراب في وجود الماء؟
ثم هذه الطبعة بعناية مركز تحقيق النصوص:
إسهام منها في نشر العلم النافع، مع الاعتناء به فأضافت:
١- العناية بأصل الكتاب المطبوع، حيث فتشت كثيرًا عن أصل خطي له دون جدوى، وهذا المطبوع بتحقيق فضيلة الدكتور عبد العزيز القاريء، طبعة جيدة، سيما وتعليقات فضيلة الدكتور أزالة الكثير من عور الكتاب، هذه التعليقات قد حافظنا على بعضها عازين الفضل لصاحبه، فجزاه الله خيرًا.
٢- أصلحنا ما وقع في الكتاب من تحريف.

1 / 7

٣- قمنا بالتوسع في مصادر تراجم النقلة المذكورين.
٤- تخريج الأخبار الواردة في الكتاب.
٥- وضعنا فهرس أبجدي للرواة المترجمين.
ثم هذه البضاعة المزجاة منا، إنما هي جهد بشري يعتريه ما يعتري غيره.
ولله الكمال وإليه القصد.
وكتبه أ/ أيمن صالح شعبان، مدير مركز تحقيق النصوص القاهرة -ليلة الأحد- ٢٥ من شوال لعام ١٤١٥ من الهجرة النبوية المباركة.

1 / 8

ترجمة المؤلف:
أترجم نفسي اقتداءً بالنبي ﷺ إذ يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١]، وبسيدنا يوسف إذ يقول: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٥٥]، ويقول: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [سورة يوسف:٥٩]، وبسيدنا عيسى حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [سورة مريم: ٣٣] .
وقد ترجم نفسه ولي الدين ابن خلدون إمام التاريخ، ولسان ابن الخطيب إمام الأدب وغيرهما.
نعم أعتذر بما اعتذر به ابن الإمام في"سمط الجمان"، والحجاري في كتاب "المسهب"، وابن القطاع في "الدرة الخطيرة"، وأبو الحسن بن سعيد في كتاب "المغرب" وغيرهم.
ليت المغاربة كان لهم ولوع بالتاريخ، وبالأخص تاريخ الرجال، فأكتفي بأمانتهم واعتنائهم عما سأورده في هذه الترجمة المخجلة التي أقصد بها إظهار حقيقة من حياتي، ربما لا يعرفها غيري كما أعرفها أنا، وإني لأشعر بعبء ذلك على كاهلي، ولكنني لا أجد منه بدًّا، فلينتبه إخواننا إلى الاعتناء بتراجم الرجال وإظهارهم مظاهرهم، فالأمة برجالها، والسهام بنصالها، وليترجم الناس لأنفسهم بأنفسهم ما دامت الأفكار معرضة عن هذه الواجبة حتى لا تضيع حقائق من حياتهم، ربما تتطلب فلا توجد، وكم ضاعت من حقائق بإهمال هذا الفن لم يجدِ الأسف عليها شيئًا.

1 / 9

فليكن في عملي هذا تشجيع للناس على ترجمة أنفسهم، وتنشيط على الاعتناء بهذا الفن المهمَل الذي يضيق المقام عن تعداد فوائده التي منها: أن الأمم لا تعتبر في مقام الحياة إلّا بقدر ما فيها من الرجال وما يحسنون.
نسبي:
عُلِمَ من ترجمة سيدي الوالد -قدس الله روحه- بآخر تراجم المالكية من هذا الجزء، ومسقط رأسي فاس، بها قرأت وتعلمت، وبأدب أهلها تأدبت، وسكنت مكناسة الزيتون ستين ونيفًا، ثم وجدة ثلاث سنين، ثم مراكش نحو سنة، ثم الرباطسنة ثلاثين، ثم عدت إليه آخر سنة تسع وثلاثين، وبه وبفاس لي دار واستقرار الآن تمسكًا بالحق في العاصمتين، واعترافًا بفضل المدينتين، ودخلت جل مدن المغرب والجزائر، وتونس إلى سفاقص، ولقيت أهم رجال القطرين، وذاكرتهم وعرفتهم، وأخذت عن كبار أعلامهم، وأخذوا عني بما بُيِّنَ في "الفهرس"، وتجولت فيهما كثيرًا، وفي أوربا بما هو مفصل في رحلاتي.
وأما عقيدتي:
فسنية سلفية؛ اعتقد عن دليل قرآني، برهاني ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الراشدون، مالكي المذهب ما قام دليل.
وجدت بخط سيدي الوالد ﵀ في عقيدته: ولد لي سيدي محمد -حفظه الله- من الزوجة الصالحة بنت الأمين السيد الحسين عبد الكبير جنون يوم رابع رمضان المعظم عند النداء لصلاة الجمعة سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف هجرية، جعله الله من علمائه العاملين، وأوليائه الصالحين أهـ، وذلك موافق ٢٢ سبتمبر ١٨٧٤، ومحل ولادتي بالدار التي أسسها سيدي الجد ﵀ بجرنيز قرب الحرم الإدريسي.
ربيت في حجر سيدي الوالد والوالدة الصالحة القانتة، وكان لهما الاعتناء التام بتربيتي وتهذيبي، وإصلاح شئوني إذ كنت أول مولود لهما، واستعانت الأم في ذلك بجدتي من قبل الأب، فكانت تحوطني، وتحنو عليّ أكثر من الأم

1 / 10

بكثير، وما كانت تقدر على مفارقتي لا ليلًا ولا نهارًا. هذه السيدة الجليلة القدر كانت على جانب عظيم من التبتل والعبادة، صوامة، محافظة على أوقات الصلاة، حافظة للسانها وجوارحها عن الخروج عن عبادة الله تعالى، مكبة على طاعته، مشفقة على الضعفاء والمساكين وذوي العاهات، مواسية مَنْ يستحق المواساة، فكانت أفعالها وأخلاقها كلها دروسًا عملية علمية تهذيبية ينتفع بها من نفعه الله من العائلة كلها، أتلقاها عنها والفكر فارغ من غيرها، فكانت كنقش في حجر.
وطالما رغَّبتني بأنواع ما يرغب به الصبيان في القيام باكرًا، وإسباغ الوضوء للصلاة، والنظافة وحفظ الثياب، والاعتناء بكتاب الله، والمحافظة على أوقات المكتب، وحب المساكين، ورحمة الضعيف، وهجر كل ما ليس بمستحسن في الدين، وبثّ روح النشاط في الحفظ والتعليم، فهي التي غرست في قلبي عشق العالم، والهيام بحفظ القرآن العظيم، واعتياد الصلاة، والارتياض على الديانة بحالها ومقالها، لما كانت عليه من صلاح الأحوال، ومتانة الدين عن علم واعتقاد متين.
فمرآة أخلاقها وأعمالها في الحقيقة أول مدرسة ثقَّفت عواطفي، ونفثت في أفكاري روح الدين والفضيلة، فلم أشعر إلّا وأنا عاشق مغرم بالجد والنشاط، تارك لسفاسف الصبيان، متعود على حفظ الوقت ألَّا يذهب إلّا في ذلك، شيق إلى كل تعلم وتهذيب، لا أجد لذلك ألمًا ولا نصبًا، بل نشاطًا وداعية، امتزجت باللحم والدم، لذلك كان حفظي للقرآن والمتون قبل أقراني بكثير، وبدون كبير عناء، بل في الختمة الأولى حفظت الكتاب العزيز تقريبًا، وما زدت الثانية إلّا لزيادة الضبط وحفظ الرسم عن نشاط ومحبة داخلية من الضمير المتشوق بالأمل المناساق بعاطفة حب المعالي، وحب أداء الواجب الذي لأجله خلقت حسب ما تلهمني إليه عاطفتي، لا بإلزام خارجي. علي أن هذه التربية الجديدة المحضة قد أثرت على جسمي بضعف ونحول، وساعد ذلك التأثير عدم وجود نظام في المكتب، وعدم وجود لوازم الصحة

1 / 11

والرياضة هنالك، ولا أوقات للراحة، بل عمل متصل ممل.
اذكر هذه الحلقة من حياتني، ويعلم ما أقصده من ذكرها كل من له إلمام بفن التراجم، هذه هي الحلقة التي يغفلها كثير من الباحثين والمؤلفين منا، فتضيع بإهمالها أهم أطوار حياة الرجال، ويتعذّر تعليل كثير من أحوالهم، يأتون في عملهم هذا بالنتيجة، ويتركون المقدمات؛ لأن حياة الإنسان كلها إنما هي نتيجة ذلك الطور القصير؛ طور الطفولية، ومرآة ينطبع فيه كل حين أثر تربيته الأولى والمدرسة الأولى. إن تأثير هذه التربية الأولى على حياتي هي التي أوضحت لي أن تربية الأمهات لها دخل كبير في تهيئة الرجال النافعين، وإعداد الأمم للنهوض، لذلك أرى وجوب تعليمهن وتهذيبهن تعليمًا يليق بديننا، ويزين مستقبل أولادنا، ويصيرهن عضوًا نافعًا في هيأتنا الاجتماعية، فلا غنى لنا عن إعانتهن في تربية رجال المستقبل الذي عليهم مدار حياة البلاد، وتعليمهن فن التربية ونظام البيت، وقواعد الصحة والدين، وحفظ القرآن أو بضعه، والحساب والجغرافيا والتاريخ والعربية والأدب الحقيقي لا الخيالي، ونحو ذلك مما يعينهن على مهمتهن، ويضيء لهن الطريق، كما أن للرياضة دخلًا كبيرًا في تربية الأجسام وتقويتها، وتنظيم الكتاتب وجعلها موافقة لقواعد الصحة أمر ضروري لحياة الأمة، هذه هي حياتي مع جدتي جازاها الله عني بأفضل ما يجازي به المحسنين، وجازى والدتي التي كانت معينة لها في مهمتها، موافقة على كل أفكارها وأعمالها، معترفة في ذلك بفضلها.
أما سيدي الوالد، فهو أول من ألقى دروسًا في العقائد السنية السلفية طبق القرآن الكريم، وفي الفقه والتاريخ والسير والشمائل، وهذا الفن هو الذي كان أغلب عليه، وهو أدخل في تهذيب الأولاد من كل ما سواه، ولا تحسن تربية أولاد المسلمين دونه، وقد نبهني للابتعاد عن خلط المعتقدات بالأوهام، ودرَّبني على التفرقة بين ما هو يقين يعتقد بدلائله، ولا يقبل التقليد في شيء من مقدماته، وبين ما هو مظنون يجتهد فيه استدلالًا واستنتاجًا، ويقابل فيه فكر المخالف بالاحترام والاعتذار، وما هو موهوم يطرح، ولا يفسد به جوهر العقل

1 / 12

النقي. وكان يحذرني من تغلب العواطف على المصالح، ويحضني على مقاومة الحقائق للخيال، وعلى أن يكون العقل والدين سلطانًا حاكمًا على الخيال والعواطف، كما كان يحضني على حفظ القرآن وأشعار العرب وأمثالها، والأحاديث الصحاح، والوقائع التاريخية، واستنتاج العبر منها، وتطبيقها على الأحوال الوقتية، فكان نعم الأستاذ النافع، والله يحسن إليه بما أحسن لأوليائه المخلصين، لذا وذاك كنت أرى نفسي مطبوعًا على حب العلم والاشتغال به، بل الهيام المفرد فيه، راغبًا عَمَّا يعوق عنه.
وكنت لما بلغت سبع سنين أو نحوها، أدخلني لمكتب خصوصي ومعي أخوان صغيران، وبعض أبناء وبنات أحبائه الصغار أيضًا، فكنَّا نتلقَّى القرآن العظيم على الفقيه الزاهد البارع في علوم اللسان سيدي محمد بن عمر السودي، حفيد الشيخ التاودي الشهير، وتلميذ جنون الكبير، فقرأت عليه إلي يس، وعليه أتقنت الكتابة والقراءة والتجويد والرسم، ودروس الأخلاق، وبعض الحساب، ومبادئ الدين، وأقرأني بعض متون في العقائد والنحو، ثم انتقلنا لمكتب عموميٍّ بزقاق البغل، فأكملت حفظ القرآن العظيم على الأستاذ الصالح الناصح ذي الدين المتين الواضح، سيدي محمد بن الفقيه الورياجلي، المقرئ الشهير الذي تخرَّج به كثير من أعيان فاس وأعلامها، والأستاذ ذو مناقب جمة، ومقام عظيم، يكفي أن أقول في بعض ما رأيت منها، أني أقسم بالله: لقد جلست بين يديه سنين ملازمًا له في الجل من الغلس إلى المساء إلا الأوقات الضرورية ما رأيته إلّا في عبادة وطاعة، ولقد أحسن إليَّ تعليمًا وتهذيبًا، وبين يديه أكملت حفظ كتاب الله، وكثير من بقية المتون، ودرَّبَني على قواعد الإعراب، وفهم غريب القرآن، وعلمني كثيرًا من ضروريات العبادة، وألقح فكري بالتفكير، وعرفني عملًا وتخلقًا مقدار ما تساويه مكارم الأخلاق، معزز لما كنت ألقنه في البيت، والله يثيبه بأفضل وأعظم مثوبة.
وفي سنة ١٣٠٧ سبع وثلاثمائة وألف، دخلت القرويين لتلقِّي دورس العريبة والدين، وغيرهما الثانوية والعالية، على جلة الشيوخ الذين أحرزوا قصب السباق، وطارت شهرتهم في الآفاق، وقد ترجمت جملة منهم في الفهرسة،

1 / 13

إذ لم يسعني ذكرهم جميعًا في هذا المجموع، وذكرت هناك تفصيل ما أخذته عنهم من فقه وفرائض ونحوٍ وصرف وتجويد وتوجيه قراءات وتوحيد، وحديث، ولغة، واشتقاق، وتفسير، وبيان، ومعان، وبديع، ونقد الشعر، وعروض، وأصول، ومنطق، وأدب، وتاريخ، وفلسفة، وجغرافية، وتوقيت، وسير، وعلوم الحديث، وتصوف، وهيأة، ووضع، وحساب وجبر، وغير ذلك.
والذين لازمت دروسهم مدة التعاطي لزوم الظل للشاخص، إلى أن فرقنا الحِمَامُ، أو خروجي من القرويين هم:
١- الفقيه سيدي محمد بن التهامي الوزاني.
٢- سيدي الحاج محمد فتح بن محمد بن عبد السلام جنون.
٣- سيدي محمد فتحا القادري.
٤- سيدي أحمد الخياط.
٥- سيدي الحاج أحمد بن سودة.
٦- سيدي عبد السلام الهواري.
٧- سيد الكامل المراني.
٨- سيدي أحمد بن الجيلاني.
وأخذت بعض العلوم والرياضية عن:
٩- علامتها سيدي إدريس بن الطائع البلغيثي، آخر مهرة علوم التعليم بفاس، ولازمت كثيرًا غيرهم، ولكن لا كملازمتهم، وفي سنة ١٣١٦ كان ابتداء إلقائي للدروس، بعد ما أذن لي بعض الشيوخ منهم ومن غيرهم، وما أحقني بقول القائل:
خلت الديار من الرخا ... خ ففرزنت فيها البياذق
ولم تكن القرويين تعرف إذا ذاك امتحانًا، وإنما كان يقوم مقامه إذن شيوخها الكبار لتلميذهم في التدريس، ثم تتوزع الشهرة والإقبال بقدر طول الباع.
فأصبحت في هذه السنة أعدّ في صف العلماء المدرسين، وفيها ألفت أول تأليف كتبته أناملي، تجد بيانه في الفهرس، وأني أعلم من نفسي أنه لم يكن معي من الذكاء والاقتدار ما يؤهلني لذلك، والمرء أعرف بنفسه، ولكن كان معي كد وجد، وانقطاع للطلب نادر، مع طاعة تامَّة لوالدي، وتعظيم لشيوخي، وفي هذين الأمرين سر عجيب يكاد يلمس، ولا ينكره إلا من كان أطمس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله رب العالمين.
وفي سنة ١٣١٧ أخذت أتناول شيئًا من التجارة في غير أوقات الدروس

1 / 14